أطلق علماء وجيوفيزيائيون تحذيرات جادة ومرعبة من أن البركان الأكثر فتكًا في الولايات المتحدة الأمريكية قد يتسبب في تدمير وإبادة 3 مدن أمريكية، يقطنها ما يزيد عن 60 ألف نسمة، في غضون دقائق معدودة. ستتعرض مدن أورتينغ، وبويالوب، وسمنر لدمار شامل وهائل يغير ملامحها تمامًا بحيث لا يمكن التعرف عليها، وذلك إذا ما دمر تدفق طيني بركاني ضخم جبل رينييه بشكل مفاجئ.
أخطر بركان في أمريكا على الإطلاق
يُصنف هذا البركان النشط، الذي يقع ضمن سلسلة جبال كاسكيد الشهيرة في ولاية واشنطن، كأخطر بركان على الإطلاق في أمريكا نتيجة لعدة عوامل بيولوجية وجيولوجية. أبرزها كونه مغطى بكميات هائلة وضخمة من الأنهار الجليدية والصخور البركانية الهشة وغير المستقرة، والتي يؤكد الخبراء أنها تخلق مجتمعة بيئة مثالية ومهيأة تمامًا لتشكل تدفقات طينية بركانية سريعة الحركة للغاية، وهي الظاهرة المعروفة علميًا باسم «اللاهار»، بحسب ما ذكرت صحيفة «مترو» البريطانية.
تنشأ هذه الظاهرة الطبيعية الخطيرة عندما تختلط المياه المتدفقة بالصخور السائبة والرماد البركاني والحطام المتراكم على منحدرات البركان الشاهقة. يمكن أن تنطلق هذه العملية وتتحفز نتيجة لعدة مسببات كحدوث الانهيارات الأرضية، أو هبوب العواصف الشديدة، أو هطول الأمطار الغزيرة والسيول، بالإضافة إلى حدوث الانفجار البركاني نفسه كسبب رئيسي.
تحذيرات الخبراء من خطورة الوضع
حذر العالم الجيوفيزيائي آندي لوكهارت من خطورة الوضع الجغرافي للمدن الثلاث، لكونها تقع تحديدًا على الجانب الغربي من البركان، مما يجعلها مباشرة في المسار المتوقع لتدفق الحمم والوحل البركاني، والذي يمكن أن يرتفع منسوبه ويصل إلى مئات الأقدام. نبه إلى أنه في حال تشكل تدفق طيني سريع بدون سابق إنذار، فإن الكارثة قد تضرب تلك المدن وتبيدها تمامًا في غضون 30 دقيقة فقط من لحظة الانطلاق.
أوضحت ليزيث كاباليرو غارسيا، عالمة البراكين المتخصصة في الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك، أن هذه التدفقات تمثل خطورة بالغة ومعقدة للغاية لكونها ظواهر ديناميكية تتغير وتتحور كثيرًا أثناء عملية النقل والتحرك من مكان إلى آخر. أشارت إلى أن حجمها وقوتها بإمكانهما النمو والاتساع، مثلما بإمكانهما التخفيف والتقلص.
أمام هذه المخاطر المحدقة، تدرك السلطات الأمريكية المعنية تمامًا حجم التهديد، ولذلك فقد أمضت عقودًا طويلة من الزمن في إجراء البحوث المستمرة والدراسات الرامية لمعرفة كيفية تطوير وتحسين أنظمة الإنذار المبكر لتمكين السكان من الإخلاء والهروب في الوقت المناسب. تشهد المنطقة بانتظام تنظيم وإجراء تدريبات إخلاء جماعية واسعة النطاق مصممة خصيصاً لإعداد وتأهيل المواطنين لمواجهة الكوارث المحتملة. ورغم كل هذه الجهود المستمرة، يجمع الخبراء على أن الانهيارات الطينية التي تحدث دون سابق إنذار لا تزال صعبة التنبؤ بشكل لا يصدق، ومن الممكن جدًا أن تفاجئ الجميع دون ظهور أي علامات تحذيرية واضحة أو مسبقة.
التغير المناخي قد يفاقم الخطورة
يرى المتخصصون أن التغير المناخي العالمي قد يكون عاملًا مساهمًا في زيادة هذا الخطر ورفع وتيرته، وذلك من خلال دور الاحتباس الحراري في زعزعة استقرار الأنهار الجليدية وإذابتها، فضلًا عن زيادة احتمالية وفرص حدوث العواصف الشديدة والاضطرابات الجوية، وكلاهما يعدان من الركائز الأساسية المسببة لحدوث التدفقات الطينية المفاجئة.
في حال وقوع الكارثة، فمن المرجح بشدة أن تكون مدينة أورتينغ هي المتضرر الأكبر والأكثر تأثرًا ودمارًا، ويعود ذلك إلى محدودية وضيق طرق الإخلاء المتاحة فيها بالتزامن مع النمو السكاني المتزايد؛ مما يرفع من احتمالية أن يُحاصر الناس ويحتجزوا داخل مسار تدفق الحمم والوحل البركاني إذا ما أُغلقت الطرق وشهدت اختناقات مرورية أثناء عمليات الإجلاء المفاجئة والسريعة.
جهود المراقبة والرصد
لمكافحة هذا التهديد الوجودي والحد من عواقبه، قام مرصد كاسكيدز البركاني ببناء وتشييد العديد من محطات المراقبة والرصد المتطورة حول البركان لتتبع ومراقبة النشاط الزلزالي بدقة، والتمكن من الكشف عن تدفقات الحمم البركانية المحتملة ورصدها في الوقت الفعلي.
يعد جبل رينييه تاريخيًا وبفعل الشواهد الجيولوجية موقعًا أصيلًا لأحد أكبر وأضخم تدفقات الحمم والانهيارات البركانية التي شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية عبر تاريخها. وقع ذلك قبل آلاف السنين عندما انهار جزء ضخم من الجبل، مما أسفر عن حدوث تدفق طيني هائل ومخيف، يقدر العلماء والباحثون حجم حطامه وركامه بأنه كان يحمل كميات من الطمي والصخور تكفي لملء نحو 1.5 مليون حوض سباحة من تلك الحواض ذات الحجم الأولمبي القياسي.
بالمقارنة التاريخية، فإن أعنف زلزال وكارثة بركانية شهدتها الولايات المتحدة في الذاكرة الحية المعاصرة تعود إلى عام 1980، عندما انهار الجانب الشمالي لـ جبل سانت هيلينز، مما تسبب حينها في إطلاق وإرسال تدفقات بركانية مميتة وقاتلة من الرماد الساخن والحطام والصخور المتطايرة لمسافة تجاوزت 60 ميلًا. من بعض النواحي البيولوجية، تشبه التدفقات الطينية البركانية «اللاهار» تلك التدفقات البركانية الفتاتية الحرارية السريعة من حيث أنها تتحرك بسرعة فائقة وتندفع بقوة تدميرية هائلة، مما لا يترك للأشخاص الذين يقعون سوء حظهم في طريقها سوى وقت ضئيل وقصير جدًا للفرار والنجاة بأرواحهم.



