الرياضة والأمن القومي: لماذا يحتاج شباب مصر إلى دوري صيفي في كل قرية؟
الرياضة والأمن القومي: دوري صيفي لكل قرية

دار بيني وبين اللواء هشام الحلبي، المستشار في أكاديمية ناصر العسكرية، حديث جانبي في دقائق الانتظار قبل الخروج إلى الهواء مباشرة في برنامج "صباحك مصري" على قناة إم بي سي مصر، برفقة الإعلامي هشام عاصي. كان الحديث عن كرة القدم في ظاهره، لكنه كشف عن معنى خفي. تحدثنا عن المنتخب الوطني وتعادله المشرف مع بلجيكا في كأس العالم، ثم انزلق الحديث إلى سؤال آخر: لماذا لا يوجد في قرى مصر ونجوعها دوري منظم للشباب في شهور الصيف؟

الرياضة وأمن البلد من الداخل

ظننت أني أسأل عن الرياضة، لكن اللواء الحلبي نظر إلي وقال: "إننا لا نتحدث عن لعب الكرة، بل نتحدث عن أمن البلد من الداخل". عند هذه الكلمات أدركت أن الفراغ ليس عدمًا، وأن الشاب الذي لا يجد ملعبًا يركض فيه ولا فريقًا ينتمي إليه هو روح معلقة تبحث عن معنى. فإن لم يجد هذا المعنى في قميص فريقه وألوان قريته، فسيبحث عنه في مكان آخر.

الروح البشرية لا تحتمل العدم

الطبيعة لا تعرف الفراغ، والروح البشرية لا تحتمل العدم. حين تخلو النفس من الرياضة والفن والثقافة والأمل، فإنها تمتلئ باليأس أو الغضب. مراكز الشباب في القرى تفتح أبوابها في الصيف، لكن هل فتح الباب وحده يكفي؟ الشباب يحتاجون إلى دوري، إلى منافسة شريفة، إلى بطولة تجمع القرى، إلى مسابقات في كرة القدم وكرة السلة وغيرها من الرياضات الجماعية. هذه البرامج وحدها هي التي تبدل شكل المركز من مبنى صامت إلى كيان حي نابض، وتغير طاقة الشباب من قنبلة موقوتة إلى طاقة للبناء والاعتزاز.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الروح المعنوية ليست حكرًا على الجيوش

الروح المعنوية هي روح الأمة كلها، ذلك الإيمان العميق بأن للحياة معنى، وأن للتعب ثمرة، وأن للوطن قيمة. كيف نطلب من شاب أن يحب وطنه ويدافع عن ترابه ونحن لم نمنحه حتى أبسط حقوقه في أن يفرح ويحلم؟ الرياضة في جوهرها ليست لهوًا، إنها مصنع للرجولة ومدرسة للانضباط. في الملعب يتعلم الشاب أن الفريق أهم من الفرد، وأن الجماعة تقدم على الذات، وأن للحكم سلطة يجب احترامها، وأن الفوز لا يدوم، وأن الخسارة ليست نهاية المطاف.

القدوة والفراغ

الرياضة تصنع أبطالًا، والأبطال هم القدوة. فإن لم يجد الشاب هذه القدوة في الملعب، فسيجدها في الشارع. سيأتي البلطجي فيأخذ مكان البطل، وسيأتي المجرم فيأخذ مكان القدوة. الفراغ لا يظل فارغًا أبدًا، هذه سنة الله في خلقه. الأمن القومي لا يقتصر على الجيش والشرطة، بل يمتد إلى تماسك المجتمع من الداخل. الإرهاب قبل أن ينفجر فكرة، والفكرة لا تدخل العقل إلا إذا كان فارغًا من الرياضة والفن والثقافة والأمل.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

مشكلة في الثقافة الإدارية

نحن نبني مراكز الشباب ونفتتحها باحتفال ونلتقط الصور ثم نغلق الباب ونمضي. الشباب ليسوا مباني، يحتاجون إلى مدرب ودوري وحلم. هناك قصة حقيقية لقرية في صعيد مصر مركز شبابها مبني ومتكامل لكنه مغلق، والسبب لا يوجد بند في الميزانية لإقامة دوري. هذا ليس نقصًا في الموارد، بل عجز في الإرادة. أصل كلمة "رياضة" مشتق من الفعل "راض" بمعنى هذب وقوم وعلم. التعصب الكروي الأعمى هو الابن الشرعي للفراغ.

الكل مسئول

لا أملك وصفة سحرية، لكنني أعرف أن الكل مسئول: الحكومة والمجتمع والنخبة الصامتة. المطلوب ليس ميزانية أكبر، بل عقلية أخرى ورؤية أخرى. هل نرى الشباب مشكلة نخشاها أم ثروة نستثمر فيها؟ إن لم ندرك أن تنظيم دوري كرة قدم في قرية منسية يمكنه أن يمنع حالة تطرف ويوقف موجة يأس ويخلق أملًا جديدًا ويحمي أمن مصر من الداخل، فنحن لا نفهم شيئًا. الأمن القومي لا يبدأ من الحدود ونقاط التفتيش فحسب، بل يبدأ من أقرب ملعب كرة قدم لأقرب شاب مصري، حين يكون هذا الملعب عامرًا بمنافسة شريفة وبدوري منظم. وكل ما عدا ذلك يظل كلامًا، والكلام وحده لا يبني أوطانًا ولا يصون كرامة إنسان.