سمير فرج يكشف خريطة التصعيد في الشرق الأوسط: هل نحن أمام مواجهة وشيكة؟
في لحظة إقليمية مشحونة بالترقب، تتكثف التحركات العسكرية وتتسارع الإشارات السياسية، بينما تتأرجح المنطقة بين شبح مواجهة محتملة وأمل العودة إلى طاولة التفاوض. من إشعار إيراني بإطلاق صواريخ، إلى رفع إسرائيل درجة التأهب القصوى، وصولًا إلى حشد عسكري أمريكي واسع في الشرق الأوسط، تتشكل لوحة معقدة عنوانها الأبرز.. الضغط المتبادل على حافة الانفجار.
إشعار إيراني يشعل دوائر القلق
أعلنت إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية في بيان رسمي أن إيران أصدرت إشعارًا للطيارين بشأن عمليات إطلاق صواريخ مخطط لها يوم الخميس، في مناطق جنوب البلاد، خلال الفترة من الساعة 3:30 وحتى 13:30 بتوقيت جرينتش.
الإخطار، وإن جاء في صيغة فنية معتادة في مثل هذه الحالات، حمل أبعادًا سياسية وعسكرية لا تخفى على المراقبين، خاصة أنه يتزامن مع تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن.
مثل هذه الإخطارات عادة ما تصدر لضمان سلامة الملاحة الجوية، إلا أن توقيتها هذه المرة بدا وكأنه رسالة مزدوجة.. استعداد ميداني من جهة، وتلويح بالقدرة الصاروخية من جهة أخرى، في لحظة تتشابك فيها الحسابات الإقليمية والدولية.
إسرائيل في أقصى درجات الاستنفار
في المقابل، كشفت القناة 12 العبرية أن إسرائيل رفعت حالة التأهب إلى الدرجة القصوى، تحسبًا لهجوم وشيك على إيران، بانتظار ما وصفته بـ"الضوء الأخضر" من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وبحسب القناة، بلغت الجاهزية العسكرية الإسرائيلية ذروتها، خاصة بعد تعثر محادثات جنيف، فيما تقرر إرجاء اجتماع "الكابينت" إلى الأحد المقبل.
وتشير التقديرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وفقًا للتقارير، إلى احتمال انضمام تل أبيب إلى أي تحرك عسكري أمريكي، بتنسيق عالي المستوى، وسط مخاوف جدية من رد صاروخي إيراني قد يطال العمق الإسرائيلي، ما دفع قيادة الجبهة الداخلية إلى الاستنفار الفوري لسيناريوهات الحرب.
خمسون مقاتلة خلال 24 ساعة
على الأرض، رُصد حشد أمريكي لافت شمل نحو خمسين مقاتلة وصلت إلى الشرق الأوسط خلال يوم واحد فقط، من بينها طائرات F-22 الشبحية، إضافة إلى طائرات تجسس واستطلاع متقدمة.
هذا الانتشار السريع أعاد إلى الأذهان مشاهد الحشود التي سبقت أزمات سابقة في المنطقة، وطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام تمهيد لضربة عسكرية، أم أمام استعراض قوة محسوب ضمن استراتيجية الضغط؟
التزامن بين الحشد العسكري الأمريكي، واعتراف طهران بوجود فجوة "غير قابلة للتسوية" مع المطالب الأمريكية، عزز من مناخ التوتر، خاصة مع تحرك مزيد من القطع العسكرية باتجاه الشرق الأوسط.
مضيق هرمز.. الرسالة الأقوى
في خضم هذا التصعيد، أقدمت إيران على إغلاق مضيق هرمز لساعات محدودة، في خطوة رمزية لكنها بالغة الحساسية. فالمضيق الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط العالمية يمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد الدولي، وأي تهديد بإغلاقه يُعد ورقة ضغط استراتيجية من العيار الثقيل.
الإغلاق المؤقت، حتى وإن جاء في إطار تدريبات أو إجراءات احترازية، حمل رسالة واضحة مفادها أن طهران قادرة على التأثير في أسواق الطاقة العالمية إذا ما تعرضت لضربة مباشرة.
سمير فرج: لم نصل بعد إلى مرحلة الحسم العسكري
يرى اللواء أركان حرب الدكتور سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن المشهد لا يزال في إطار “الضغط المتبادل” ولم يصل إلى مستوى الاستعداد الكامل للحرب.
وأوضح فرج أن وصول خمسين طائرة مقاتلة لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب قد اتُخذ، مشيرًا إلى أن “التجميع القتالي” لم يكتمل بعد، وأن حاملة الطائرات الثانية لم تصل إلى مسرح العمليات حتى الآن. وأضاف أن حجم الحشود الحالية لا يرقى إلى مستوى الاستعداد الذي سبق ما يُعرف إعلاميًا بـ“حرب الـ12 يومًا”.
رسائل ضغط متبادلة
بحسب فرج، فإن ما يحدث حاليًا يدخل في إطار الضغط العسكري لإجبار إيران على القبول بالطرح الأمريكي، خاصة في ما يتعلق بالملف النووي. فالولايات المتحدة كما يقول تركز في مفاوضاتها على البرنامج النووي، بينما ترفض طهران إدراج ملف الصواريخ الباليستية ضمن أي اتفاق جديد، وهو الملف الذي يمثل أولوية قصوى لإسرائيل.
ومن هنا، تبدو التحركات العسكرية وسيلة لإعادة تشكيل موازين التفاوض. “كل هذه التحركات هي أدوات ضغط”، يقول فرج، مؤكدًا أن واشنطن تستخدم القوة كوسيلة دعم للمسار السياسي، لا بديلاً عنه حتى الآن.
مضيق هرمز.. ورقة إيران الأخطر
إغلاق مضيق هرمز لساعات قليلة، حتى وإن جاء في إطار مناورة أو إطلاق نار محدود، حمل دلالة واضحة. فالمضيق يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط العالمية، وأي تهديد بإغلاقه يشكل ضغطًا اقتصاديًا هائلًا على الأسواق الدولية.
ويرى فرج أن الخطوة الإيرانية كانت بمثابة رسالة مباشرة: “إذا تعرضنا لضربة، يمكننا تعطيل شريان الطاقة العالمي”. لكنه شدد على أن ما جرى يدخل ضمن نطاق الحرب النفسية، ولم يصل إلى مستوى التصعيد المفتوح.
انتظار الرد الإيراني
وأكد الخبير العسكري أن الرد الإيراني التفصيلي على المقترحات الأمريكية بات وشيكًا، وأن الأسبوع المقبل قد يحمل ملامح أوضح للمشهد. فقبول واشنطن أو رفضها للرد الإيراني سيحدد اتجاه الأحداث.
وأضاف أن الحديث عن ضربة عسكرية محتملة يظل مرهونًا بوصول حاملة الطائرات الثانية واستكمال الحشد العسكري الكامل. “عندها فقط يمكن التفكير في احتمال تنفيذ ضربة”، يقول فرج، مستبعدًا في الوقت الحالي اندلاع مواجهة مباشرة.
تقف شعوب المنطقة بين قلق وترقب. فكل بيان عسكري أو تحرك بحري لا يُقرأ فقط بلغة الاستراتيجيات، بل بلغة الخوف من المجهول.
الحروب لا تبدأ دائمًا بطلقة، بل أحيانًا بسلسلة رسائل متبادلة، يختلط فيها الردع بالحسابات السياسية.
وحتى تتضح ملامح الرد الإيراني والموقف الأمريكي النهائي، سيظل الشرق الأوسط معلقًا بين خيارين: مواجهة قد تغيّر خريطته من جديد، أو تسوية مؤجلة تُبقي التوتر تحت السيطرة.