الإفتاء: العمل حق وواجب شرعي وإتقانه عبادة في عيد العمال
الإفتاء: العمل حق وواجب شرعي وإتقانه عبادة

أكدت دار الإفتاء المصرية أن العمل والسعي والإنتاج من مقاصد الشريعة الإسلامية، مشددة على أن أي عمل يعرقل الإنتاج ويتسبب في الإضرار به يعتبر معارضًا لمقاصد الشرع الشريف. جاء ذلك في بيان لها بمناسبة عيد العمال.

أهمية العمل والحث على إتقانه في الشرع

قالت دار الإفتاء إن الشرع الشريف حث على العمل والإنتاج ورغب فيهما، مستشهدة بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]. وأوضحت أن الإمام النسفي فسر ذلك في "تفسيره" بأن الأرض جعلت لينة سهلة مذللة لا تمنع المشي فيها، وأن المشي في مناكبها يعني السعي للاسترزاق أو السير في طرقها وجبالها.

كما روى الإمام البخاري في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يَحْتَطِب أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ».

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

العمل والسعي والإنتاج من مقاصد الشريعة

وأكدت الإفتاء أن الشريعة الغراء شددت على أن من مقاصدها العمل والسعي والإنتاج، فروى الإمام البخاري في "الأدب المفرد" عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا». وذكرت أن العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني قال في "التنوير شرح الجامع الصغير" إن هذا الحديث مبالغة وحث على غرس الأشجار وحفر الأنهار لتبقى الدار عامرة إلى آخر أمدها المحدود، فكما غرس غيرك ما شبعت به فاغرس لمن يجيء بعدك.

وأوضحت الإفتاء أن الشريعة الإسلامية دعت إلى إتقان أي عمل يقدم عليه الإنسان، فروى الإمام البيهقي في "شعب الإيمان" عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ». وفسر العلامة الصنعاني ذلك بأن الإتقان هو الإحسان والتكميل، سواء كان العمل دينياً أو دنيوياً له تعلق بالدين.

بل إن الله تبارك وتعالى جعل عمارة الكون بالإنتاج والتقدم مقصداً من مقاصد خلق الإنسان، حيث قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]. وأشار الإمام النسفي في تفسيره إلى أن الله جعل الناس عمار الأرض وأراد منهم عمارتها.

أهمية العمل في الدستور المصري

وأشارت الإفتاء إلى أن المشرع المصري أكد ذلك، فتنص المادة (12) من دستور مصر الحالي على أن: "العمل حق، وواجب، وشرف تكفله الدولة"، وتتمثل كفالة الدولة لذلك في تشريعاتها أو بغير ذلك من التدابير، وإعلائها لقدر العمل وارتقائها بقيمته.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ولما كان حفظ المال مقصداً من مقاصد الشرع، فكذلك كل ما يعمل على زيادته وإنمائه يكون مقصوداً من قبل الشرع الشريف، وأي عمل يعرقل الإنتاج ويضر به يكون معارضاً لمقاصد الشرع الشريف. ويقول الإمام الغزالي في "المستصفى": "ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم؛ فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوِّت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة".

القرآن يجعل العمل جزءاً من عبادة الله وعمارة الكون

والقرآن يربط بين الإيمان والعمل، ويجعل السعي في الأرض (زراعة، صناعة، تجارة) جزءاً من عبادة الله وعمارة الكون، مع التأكيد على الإتقان والمسؤولية. وجاء ذلك في الآيات التالية:

  • ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (الملك: 15)
  • ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: 39)
  • ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: 10)
  • ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (الواقعة: 63-64)
  • ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ (الأنعام: 141)
  • ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ (الأنبياء: 80)
  • ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ (سبأ: 11)
  • ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61)
  • ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ (التوبة: 105)