قال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن الثقة بالله سبحانه وتعالى من ثمرات الإيمان، وصِلة واضحة جليّة بين العبد وربه.
الثقة بالله
وأشار إلى أن الثقة بالله تجعلنا نؤمن بما عند الله أكثر من تصديقنا لما بين أيدينا؛ لأن الله سبحانه وتعالى فعّالٌ لما يريد، وهو على كل شيء قدير. ونوه إلى أنه لا ينبغي أن يدخل الشك إلى قلب أحدٍ من المؤمنين في ربه؛ فإن الله تعالى أنزل القرآن هدايةً للعالمين إلى يوم الدين، وبيّن لنا فيه سننًا إلهيةً جرت عبر التاريخ، لا لمجرد الاستماع إلى القصص، بل للاهتداء بها، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
قصة سيدنا موسى
وأضاف: قد خصّ الله قصة سيدنا موسى عليه السلام بكثرة الذكر في مواضع كثيرة من القرآن، حتى شغلت جزءًا كبيرًا من قصص الأنبياء؛ لما فيها من عبرٍ وحِكمٍ وهدايةٍ تُصلح حياة الأفراد والأمم. ومن هذه الهداية: أن الله تعالى وصف موسى عليه السلام بالقوة؛ فقد كان قويَّ البنية، كما قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾؛ فوكزةٌ واحدة كانت سببًا في موته، وهي ليست ضربةً بل «وكزة»! مما يدل على شدة قوته. ولم يكن موسى قويَّ الجسد فقط، بل كانت له نفسية قوية، وهيبة في الناس؛ فقد احتمى به الناس، قال تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾. ولما ذهب إلى مدين سقى ابنتي شعيب وسط زحام الرعاء.
الخوف عند موسى عليه السلام
ومع هذه القوة الظاهرة والباطنة، كان موسى عليه السلام يخاف، فقد ورد الخوف في كل مراحله: بعد القتل: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. بعد التحذير وعند الخروج: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. عندما أمره الله بالذهاب إلى فرعون: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾، وقال أيضًا: ﴿إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾. وعند مواجهة السحرة: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾، فقال له ربه: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾.
ولفت إلى أن موسى، رغم قوته الجسدية والنفسية والإيمانية، كان خائفًا؛ لأن العدو، وهو فرعون، كان طاغيةً فاجرًا، يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. فقال الله فيه وفي من كان مثله من الجبابرة الطغاة على مر التاريخ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾. وقد قرر القرآن قاعدة عظيمة تُورث الثقة بنصر الله في قلوب المؤمنين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾. فالخطاب تحوّل من الغائب في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ إلى الخطاب المباشر في قوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾؛ ليخاطب المؤمنين إلى يوم الدين. وهذه الآية تؤكد أن التمكين الدنيوي للظالمين لا يعني رضا الله عنهم؛ فهو القادر على إزالتهم في لحظة، ويخاطبك ربك قائلًا: لا تخف.
دروس وعبر
وإن وقع الخوف في قلبك، فلا تيأس؛ فقد خاف موسى وهو كليم الله. فكن على خُطى كليم الله موسى في الثقة والتصديق بأمر الله، ولا تخف، واجعل حياتك لله: اجعله هو مقصودك، وناصرك، واعتمادك، وذكرك، وتوجهك، حتى لو لم يكن معك أحد. فالنبي يأتي يوم القيامة ومعه الرجل والرجلان، وربما ليس معه أحد؛ فاعمل لله، وثق بالله، ترَ من عجائب قدرته ما يدهشك.



