شهد عالم الطب التجميلي في السنوات الأخيرة طفرة هائلة، وأصبحت تقنيات مثل حقن البوتكس خيارًا شائعًا تسعى إليه الكثير من السيدات للعناية بالبشرة ومكافحة علامات التقدم في السن. ومع تزايد الإقبال عليها، برزت تساؤلات شرعية ملحة حول مدى توافق هذه العمليات التجميلية مع الضوابط الإسلامية. في هذا السياق، تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالًا من إحدى السيدات تستفسر فيه عن حكم حقن البوتكس واستخدامه في أغراض التجميل والزينة؛ فهل يعد ذلك من باب تغيير خلق الله المحرم، أم هو زينة مباحة تدخل في إطار الاهتمام بالنفس؟
رأي دار الإفتاء المصرية في حقن البوتكس
أوضحت دار الإفتاء المصرية أن كلمة بوتكس هي اختصار لمادة البروتين السمية التي تستخرج من بكتيريا كلوستريديوم بوتولينم، وهذه المادة تنقسم إلى سبعة أنواع. وأشارت إلى أن حقن البوتكس يسبب شللًا مؤقتًا للعضلات المحقونة، مما يؤدي إلى استرخائها لمدة تصل إلى ستة أشهر، ثم تعود للحركة مجددًا بعد إزالة التجاعيد. ولا يتداخل تأثيرها مع حقن الفيلر المستخدمة لملء الشفاه أو الخدود.
وأضافت الإفتاء أن الاستخدامات الغالبة للبوتكس تشمل علاج الصداع النصفي، وبعض أمراض المثانة، وآلام الظهر، وعرق النسا، وتشنجات الحنجرة والعضلات، والحد من التعرق المفرط، وإفراز اللعاب، والشقوق الشرجية. كما يستخدم بكثرة في عمليات التجميل غير الجراحية مثل تغيير شكل الحاجبين، وتحسين الخطوط الحركية في الوجه، وخطوط العبس، وحول العينين، والجبين، وخطوط المدخنين حول الشفاه، بالإضافة إلى استخدامه كمساعد في جراحات شد الوجه والتقشير.
الأخذ بالعلاج والتداوي طلبه الشرع
أكدت الإفتاء أن الأصل في استعمال البوتكس كدواء وعلاج هو الجواز؛ لأن الشرع حث على التداوي، مستشهدة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم». وأضافت أن القاعدة الشرعية تقضي بأن المطلق يجري على إطلاقه حتى يرد ما يقيده. كما استدلت بقول الإمام الخطابي: «في هذا الحديث إثبات الطب والعلاج، وأن التداوي مباح غير مكروه».
وبينت أن المجالات العلاجية للبوتكس داخلة في أصل مطلوبية العلاج، ولا يمنع منها إلا ما كان ضرره راجحًا، بحيث تكون مفسدة استعماله تفوق مفسدة تركه. ومن القواعد الشرعية المقررة أنه «إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما»، وأن «الضرر لا يزال بالضرر المساوي أو الأشد».
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي
نوهت الإفتاء إلى أن بعض استخدامات البوتكس تدخل ضمن الجراحة التجميلية، وإن كان الحقن يتم دون تدخل جراحي. وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 173 بشأن الجراحة التجميلية أن جراحة التجميل هي تلك التي تعنى بتحسين شكل جزء من الجسم أو إعادة وظيفته إذا طرأ عليها خلل مؤثر.
وأكدت أنه من المقرر شرعًا أنه لا يجوز تغيير شيء في خلقته التي خلقه الله عليها بصورة تنبئ عن الاعتراض على قضائه وقدره؛ لأن ذلك من فعل الشيطان. لكن يستثنى من ذلك ما يكون لسبب علاجي، كإزالة العيوب الخلقية، أو إزالة ما يحصل به الضرر والأذى، سواء كان ضررًا ماديًا كالألم والإعاقة، أم معنويًا كالدمامة التي تسبب أذى نفسيًا. والرجل كالمرأة في ذلك؛ لقاعدة «الضرر يزال».
مشروعية إصلاح العيوب الخلقية بالجراحات التجميلية
أشارت الإفتاء إلى أن مشروعية إصلاح العيوب الخلقية بالجراحات التجميلية تتأكد بما رواه أبو داود عن عرفجة بن أسعد أن أنفه قطع يوم الكلاب فاتخذ أنفًا من ورق فأنتن عليه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ أنف من ذهب. كما راعى الشرع حاجيات النساء في التجميل والزينة؛ فرخص للزوجة الكحل والخضاب وأخذ الزائد من شعر الحاجبين إذا كان خارجًا عن الحد المألوف أو يؤذي العين أو ينفر الزوج.
وأجاز الفقهاء للمرأة أن تختار أنواعًا من الأكل أو التداوي قصدًا للتجمل، خاصة إذا كان للزوج. ونقل عن فتاوى أهل سمرقند: «إن كانت تسمن نفسها لزوجها لا بأس به؛ لأن هذا فعل مباح لقصد المباح». كما أجازوا الحقنة للرجال والنساء للتداوي أو لأجل الهزال إذا فحش.
موقف مجمع الفقه الإسلامي من الجراحة التجميلية
بين مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره رقم 173 الحالات المشروعة وغير المشروعة، وضوابط ذلك، وجاء فيه:
- يجوز شرعًا إجراء الجراحة التجميلية الضرورية أو الحاجية التي يقصد منها: إعادة شكل أعضاء الجسم إلى الحالة التي خلق الإنسان عليها، أو إعادة الوظيفة المعهودة، أو إصلاح العيوب الخلقية مثل الشفة المشقوقة واعوجاج الأنف الشديد، أو إصلاح العيوب الطارئة من آثار الحروق والحوادث، أو إزالة دمامة تسبب أذى نفسيًا أو عضويًا.
- لا يجوز إجراء جراحة التجميل التحسينية التي لا تدخل في العلاج الطبي، ويقصد منها تغيير خلقة الإنسان السوية تبعًا للهوى والرغبات، مثل تغيير شكل الوجه أو الأنف أو تكبير الشفاه أو تغيير شكل العينين.
- يجوز تقليل الوزن بالوسائل العلمية ومنها شفط الدهون إذا كان الوزن يشكل حالة مرضية ولم تكن وسيلة غير الجراحة بشرط أمن الضرر.
- لا يجوز إزالة التجاعيد بالجراحة أو الحقن ما لم تكن حالة مرضية شريطة أمن الضرر.
الخلاصة
خلصت الإفتاء إلى أن استخدام البوتكس في التداوي والعلاج -إن لم يلحق ضررًا بالمحقون- جائز شرعًا، ولا حرج في استعماله من أجل تحسين الشكل والمظهر وإزالة التشوهات والأضرار النفسية والحسية الناتجة عن الأعمال الشاقة أو التقدم في السن أو الأمراض المختلفة، شريطة ألا يتضمن ذلك تدليسًا كتضليل العدالة. ويجوز للمرأة المتزوجة استخدامه في طلب الجمال والحسن إذا أذن لها زوجها وبعد مراجعة الطبيب المختص، بل هو مستحب في حقها ما دامت تبتغي التجمل والتزين للزوج.



