نظرا لارتفاع أسعار اللحوم في مصر وعدم كفايتها، تقوم الدولة باستيراد كميات من اللحوم المستوردة بأسعار في متناول اليد، إلا أن الاستيراد يتم من دول ليس شريعتها الدين الإسلامي. وبمناسبة عيد الأضحى الذي يشهد إقبالا على شراء اللحوم، يتبادر إلى الأذهان سؤال حول حكم الشرع في هذه اللحوم: هل هي حلال أم حرام أكلها؟
رأي الشيخ محمد سيد طنطاوي
أجاب فضيلة الدكتور سيد طنطاوي -رحمه الله- حين كان مفتيا للجمهورية، فقال: اللحوم المستوردة والمعلبات إن كانت مستوردة من بلاد إسلامية، أو من بلاد أهل كتاب كاليهود والنصارى أو معظمهم أهل كتاب ويذبحون بالطريقة الشرعية فإنها حلال شرعا، لقول الله تعالى: "وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم". فالآية بينت أن طعام أهل الكتاب حلال لنا دون أن نسأل عن مصدره، لأن الله أباح لنا طعامهم الذي يأكلون منه ويعتقدون حله لهم، دون البحث عن كيفية الذبح. والمراد بالطعام المذكور في الآية هو الذبح، والله تعالى يعلم أن طريقة ذبحهم قد تكون غير شرعية كذبيحة المسلمين.
الصحابة وأكل ذبائح أهل الكتاب
وأضاف الدكتور طنطاوي: الشاة التي أهدتها اليهود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأكل منها لم يسأل الرسول عن كيفية ذبحها، ولو كان يشترط فيها أن تكون كذبيحة المسلمين لسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم حتى يطمئن إلى شرعية ذبحها. وورد أن كثيرا من الصحابة كانوا يأكلون من ذبائح أهل الكتاب -اليهود والنصارى- ولم يسألوا عن كيفية الذبح.
حكم اللحم مجهول التسمية
وورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن قوما كانوا حديثي عهد بالإسلام يأتوننا باللحم فلا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سموا أنتم وكلوا". فإن كان مجهولا بالنسبة للتسمية يؤكل بعد تسمية الأكل عليه. أما اللحوم المستوردة إن علمنا أنها تأتي من بلاد لا دينية كالشيوعية وغيرها فإنها حرام بالاتفاق، إلا إذا ذبحها مسلم أو كتابي فتكون حلالا.
وأضاف الشيخ محمد سيد طنطاوي: أما ما يجهل حاله من اللحوم المستوردة، ولا نعلم كيفية ذبحه ولا نعلم من أي البلاد تم استيراده فإنه حلال لنا، ونحن بطبيعة الحال نسمي عليه. ومع ثقتنا في المسئولين عن الاستيراد، إلا أننا نؤكد عليهم أن الشعب أمانة بين أيديهم وهم مسئولون عنه أمام الله تعالى. من أجل ذلك نناشدهم بأن يحرصوا ويلتزموا بإرسال البعثات والمندوبين الذين يشرفون على ما يستورد من اللحوم والدواجن ويتأكدون أولا أنها تذبح طبقا للشريعة الإسلامية، كما نوصي إخواننا المسئولين هنا بمصر بأن يتقوا الله في أنفسهم وفي أولادهم، وفي إخوانهم من أفراد الشعب، ويتأكدوا من صلاحية اللحوم والدواجن المستوردة للطعام الآدمي.
رأي دار الإفتاء المصرية
وقد أكدت دار الإفتاء في هذا الشأن أنه إن كانت اللحوم المستوردة من الحيوانات أو الطيور المحرم أكلها في الشريعة الإسلامية فيحرم أكلها. ولو ذبحت الحيوانات أو الطيور المحلل أكلها شرعا بواسطة غير المسلم أو اليهودي أو النصراني كالوثنيين والمجوس والملاحدة فيحرم أكلها. ولو ذبح ما هو محلل أكله في الشريعة بطريقة تخالف الطريقة الشرعية كالصعق بالكهرباء أو الخنق وما شابه ذلك فيحرم الأكل منها، قال تعالى في سورة المائدة: "حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب". والتذكية هنا تعني أن تزهق روح الحيوان المأكول اللحم بالذبح أو النحر أو العقر بواسطة مسلم أو أهل الكتاب، ويشترط أولا أن يكون الحيوان مأكول اللحم كالإبل والبقر والغنم والأرانب والدواجن من الطيور وغيرها، فإن كان الحيوان غير مأكول اللحم ومنه الخنزير والكلب والحمار الأهلي والبغل فيحرم أكل لحمه. ثانيا: أن ينحر الحيوان في حلقه أو في لبته أو بأي عقر مزهق للروح إن كان مقدورا عليه.
إباحة ذبيحة الكتابي
أما الشرط الثالث: أن تكون اللحوم المستوردة عن حيوانات ذابحها أو عاقرها من المسلمين أو من أهل الكتاب -اليهود والنصارى-، فالشرع قد أجاز ذبيحة المسلم أو الكتابي، قال تعالى في سورة المائدة: "وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم". وكلمة "طعام" عامة تشمل الذبائح والأطعمة المصنوعة من مواد مباحة، وجمهور المفسرين والفقهاء على أن المراد من الطعام في هذه الآية الذبائح أو اللحوم، لأنها هي التي كانت موضع الشك، أما باقي أنواع المأكولات فقد كانت حلالا بحكم الأصل. قال الإمام ابن قدامة في "المغني": وأجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب.



