من المختبر إلى البشر.. لقاح واعد ضد فيروس هانتا يخطو خطواته الأولى
لقاح واعد ضد فيروس هانتا يخطو خطواته الأولى

في وقت يتزايد فيه القلق العالمي من تمدد بعض الفيروسات المنقولة عبر القوارض، تسارع فرق بحثية دولية نحو تطوير لقاح جديد ضد فيروس هانتا، أحد الفيروسات التي تُعد نادرة نسبيًا لكنها شديدة الخطورة في بعض الحالات. وبينما تبعث النتائج الأولية الأمل في إمكانية الوصول إلى لقاح فعال، يحذر خبراء من أن الطريق إلى الاعتماد الرسمي ما زال طويلًا، وقد يستغرق سنوات بسبب ضعف التمويل وصعوبة تنفيذ تجارب واسعة النطاق.

ويأتي هذا الحراك العلمي في ظل تحذيرات أطلقتها منظمة الصحة العالمية من احتمال تسجيل مزيد من الإصابات حول العالم، بعد تفشي الفيروس المرتبط بالقوارض على متن سفينة سياحية فاخرة، وهو ما أسفر عن وفاة ثلاثة أشخاص، وأثار مخاوف من اتساع نطاق العدوى في مناطق مختلفة.

لقاح جديد “واعد”.. لكن ما زال في المراحل الأولى

فريق بحثي من جامعة باث البريطانية أعلن أنه يعمل على تطوير لقاح وصفه بأنه واعد للغاية وجديد بالكامل، مؤكدًا أن هذا اللقاح خضع حتى الآن لاختبارات معملية وتجارب على الحيوانات، وأسفرت النتائج عن استجابة مناعية ممتازة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

وتقود المشروع البروفيسورة أسيل سارتباييفا، التي أوضحت أن العالم لا يمتلك حتى الآن لقاحًا فعالًا ضد فيروسات هانتا، وهو ما يترك ملايين الأشخاص في مناطق من جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية في مواجهة خطر مباشر، خصوصًا في البيئات التي تنتقل فيها العدوى عبر القوارض.

وقالت سارتباييفا إن فريقها طوّر مستضدًا جديدًا ضد مرض “هنتان” المرتبط بمجموعة فيروسات هانتا، معتبرة أن ما جرى التوصل إليه حتى الآن يمثل خطوة علمية مهمة جدًا، رغم أن الطريق لا يزال بحاجة إلى مراحل إضافية تشمل التجارب السريرية والموافقات التنظيمية قبل أن يصل اللقاح إلى الناس.

استجابة مناعية قوية.. ومراحل طويلة قبل الاعتماد

بحسب الباحثين، فإن اللقاح الجديد أظهر قدرة جيدة على تحفيز الجهاز المناعي في المراحل المبكرة من الاختبار. لكن، وكما هو الحال في أي لقاح جديد، فإن النجاح في المختبر أو على الحيوانات لا يكفي وحده، إذ يتطلب الأمر المرور بسلسلة طويلة من الإجراءات، وفي حالة فيروس هانتا، فإن التحدي يبدو أكبر من المعتاد، لأن المرض نفسه لا ينتشر بشكل واسع وممنهج مثل بعض الفيروسات الأخرى، مما يجعل من الصعب جمع أعداد كافية من المتطوعين أو تصميم تجارب تقليدية واسعة النطاق.

عقبة التمويل تعرقل الطريق

رغم الحماس العلمي، يرى خبراء أن التحدي الأكبر أمام لقاح هانتا ليس فقط في الجانب التقني، بل في نقص الاستثمار. وفي هذا السياق، قال جاي كوبر، عالم الفيروسات في معهد أبحاث الأمراض المعدية التابع للجيش الأمريكي، إن أحد أبرز العوائق أمام تطوير لقاحات هانتا يتمثل في التمويل اللازم للانتقال إلى مراحل التطوير المتقدمة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وأوضح كوبر أن الجهود الحالية تدفع من جانب الباحثين أنفسهم، لكن لا يوجد “دفع خارجي قوي” من الجهات الممولة أو الصناعية، وهو ما يجعل التقدم أبطأ بكثير مما يمكن أن يكون عليه. ووصف الوضع بأنه يشبه دفع صخرة إلى أعلى تل لسنوات، في إشارة إلى طول الطريق وشدة الصعوبات.

وأضاف أن السوق التجاري المحتمل للقاح من هذا النوع تبدو محدودة، وهو ما يقلل من جاذبيته من منظور الشركات الكبرى التي تبحث عادة عن منتجات ذات انتشار واسع وعائد اقتصادي كبير. وهذه المعادلة تجعل تطوير اللقاح أكثر اعتمادًا على الدعم الحكومي والمؤسسات البحثية من اعتماده على منطق السوق وحده.

تجربة علمية تمتد لسنوات

ولم تبدأ الجهود الحالية من الصفر، إذ أشار الدكتور كوبر إلى أنه يعمل على لقاح لفيروس هانتا منذ أكثر من ثلاثة عقود. كما أن فريقه كان قد أنهى بالفعل المرحلة الأولى من التجارب على لقاحات مخصصة لفيروس “أنديس”، وهو أحد سلالات هانتا التي ارتبطت بالحادث الصحي الذي وقع على متن السفينة السياحية.

لكن حتى مع هذا التقدم، تبقى المرحلة الثالثة من التجارب تحديًا خاصًا، لأن حالات الإصابة البشرية بهذا الفيروس نادرة وموزعة جغرافيًا على نطاق واسع، مما يجعل من الصعب تحديد منطقة مناسبة لإجراء تجربة فعالية تقليدية. ولهذا يرى الباحثون أن الوصول إلى اعتماد نهائي قد يتطلب مقاربات أكثر ابتكارًا من الأساليب المعتادة.

كيف يعمل اللقاح؟ وما الفئات المستهدفة؟

بحسب ما أورده الباحثون، فإن لقاح “أنديس” القائم على الحمض النووي يحفز الجسم على إنتاج أجسام مضادة معادِلة، وهي بروتينات مناعية مهمة ترتبط مباشرة بالفيروس وتمنعه من الالتصاق بالخلايا وإصابتها. أي أن اللقاح لا يهاجم الفيروس بشكل مباشر، بل يدرّب جهاز المناعة على التعرف عليه والتصدي له مبكرًا.

غير أن هذا اللقاح يتطلب، وفق الدكتور كوبر، ثلاث جرعات على الأقل: جرعة أولى ثم جرعتان داعمتان، بدلًا من جرعة واحدة أو نظام أبسط من التحصين. ورغم ذلك، فإن الفئات التي قد تستفيد منه مستقبلًا تشمل المسافرين إلى مناطق يتوطن فيها الفيروس، والعاملين في البيئات البرية أو المناطق التي تكثر فيها القوارض، إضافة إلى العسكريين وموظفي القطاعات التي تتعامل بشكل متكرر مع أماكن قد تنقل العدوى.

تقنيات mRNA تدخل على الخط

من الجوانب اللافتة في المشروع الجديد أن جامعة باث تعتمد جزئيًا على تقنية mRNA، وهي التقنية نفسها التي لعبت دورًا محوريًا في التطوير السريع للقاحات كوفيد-19 وإطلاقها على نطاق واسع خلال الجائحة. إلا أن المقارنة بين الحالتين تكشف فارقًا واضحًا ففيروس كورونا كان ينتشر بسرعة عالمية هائلة، مما دفع العالم إلى تعبئة غير مسبوقة، بينما فيروس هانتا نادر نسبيًا، ولا يُتوقع أن يسبب جائحة، وفق ما يشير إليه خبراء الصحة العالمية.

ولهذا السبب، فإن تطوير اللقاح لن يسير بالوتيرة نفسها التي شهدها العالم مع كوفيد-19، لا من حيث التمويل ولا من حيث سرعة الانتشار أو حجم الطلب المتوقع.

إصابات جديدة وتحذيرات من مزيد من الحالات

في ظل الجهود العلمية، أعلنت السلطات الصحية عن تشخيص بريطاني ثالث مشتبه بإصابته بفيروس هانتا المرتبط بتفشي السفينة MV Hondius. ويقع المريض حاليًا في جزيرة ترستان دا كونيا النائية بالمحيط الأطلسي الجنوبي، بينما لا يزال المصابان البريطانيان الآخران يتلقيان العلاج في مستشفيين في هولندا وجنوب أفريقيا.

وخلال مؤتمر صحفي في جنيف، قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، إن خمس حالات من أصل ثماني حالات مشتبه بها مرتبطة بالسفينة جرى تأكيدها حتى الآن، مشيرًا إلى أن المنظمة تدرك وجود تقارير عن حالات أخرى محتملة.

وأضاف أن فترة الحضانة الطويلة لفيروس أنديس، والتي قد تصل إلى ستة أسابيع، تعني أن مزيدًا من الحالات قد تظهر مستقبلًا، وهو ما يبقي باب القلق مفتوحًا بشأن اتساع نطاق التفشي.

وبين الأمل العلمي والتحذير الصحي، يبدو أن العالم يقف أمام لحظة مهمة في ملف فيروسات هانتا. فالتقدم الذي أحرزته جامعة باث، إلى جانب الخبرات المتراكمة لدى فرق بحثية أخرى، يمنح بارقة أمل حقيقية في الوصول إلى لقاح فعال في المستقبل. لكن هذه البارقة لا تزال بحاجة إلى وقت وتمويل ودعم مؤسسي واسع، حتى تنتقل من صفحات الأبحاث إلى عيادات التطعيم. وحتى يتحقق ذلك، يبقى الوعي بالمخاطر والوقاية من التعرض للقوارض وبيئاتها هو خط الدفاع الأول أمام هذا الفيروس الصامت الذي لا يزال يفرض نفسه على الأجندة الصحية العالمية.