على هاشم الوعي.. في مواجهة الفوضى! التوعية الطبية ستظل اختصاصًا أصيلًا لعلماء الطب بامتياز، وليست دور المذيعين الذين تقمّص بعضهم شخصية الطبيب أو القاضي، فأفتى فيما لا يعلم، وحكم على ما ليس من اختصاصه. وحسنًا فعل الدكتور أسامة حمدي، أستاذ السكر بجامعة هارفارد، حين تصدّى لقضية استحوذت على اهتمام الرأي العام في الفترة الأخيرة، وقدم ما يشبه روشتة غذائية متكاملة، لا تقوم على الانطباعات أو الشائعات، بل على ما استقر عليه العلم الحديث من دراسات وأبحاث ممتدة عبر عقود.
إعادة ترتيب المشهد الطبي
في زمنٍ اختلطت فيه النصيحة الطبية بالاجتهادات الشخصية، أعاد الرجل ترتيب المشهد من جديد، واضعًا أمامنا حقائق بسيطة لكنها حاسمة: ليس كل ما يُشاع عن الطعام صحيحًا، وليس كل ما يُخشى منه ضارًا. فاللحوم -مثلًا- ليست محرّمة كما يروّج البعض، لكنها تحتاج إلى اعتدال، بينما يظل الإفراط هو الخطر الحقيقي، سواء في الدهون أو غيرها. وفي المقابل، يبرز الفول والبقوليات ككنز غذائي مهمل، غني بالبروتين النباتي والألياف، يسند الجسد ويحميه، إلا في حالات مرضية نادرة.
تصحيح المفاهيم الخاطئة
ويمتد التصحيح ليشمل الخضراوات والفواكه، التي لا تزال -رغم حملات التشكيك- ركيزة أساسية للصحة، بما تحمله من ألياف ومضادات أكسدة تعزز وظائف الجسم وتقيه من أمراض مزمنة. أما النشويات، فلا تُدان على إطلاقها، بل يُفرّق فيها بين ما هو طبيعي نافع، وما هو مُصنّع يثقل الجسد بالسكر الفارغ ويقوده إلى أمراض العصر، من سمنة وسكري واضطرابات قلبية.
أساطير الألبان والبيض والماء
وفي حديثه عن الألبان والبيض، يهدم الدكتور أسامة كثيرًا من الأساطير الشائعة، مؤكدًا أن هذه الأغذية -إذا استُهلكت باعتدال- تمثل مصدرًا مهمًا للبروتين والعناصر الحيوية، ولا تشكّل الخطر الذي يُبالغ البعض في تصويره. وكذلك الماء، الذي يظل أبسط وأعظم ما يحتاجه الإنسان، إذ تقوم عليه معظم وظائف الجسد الحيوية.
غير أن الأهم في هذه الرؤية ليس فقط تصحيح المفاهيم، بل التأكيد على أن الاستثناءات المرضية لا تُبنى عليها القواعد العامة. فحساسية الجلوتين، أو عدم تحمل اللاكتوز، أو نقص بعض الإنزيمات، كلها حالات محدودة، لا يجوز تعميمها على الناس، وإلا تحول الحذر إلى حرمان، والنصيحة إلى خطر.
العلم لا التأويل
كما يضع الدكتور أسامة حدًا فاصلًا بين العلم والتأويل، حين يرفض توظيف النصوص الدينية لتبرير مواقف غذائية خاطئة، مؤكدًا أن الدين لم يأتِ ليضيّق على الناس في طعامهم، بل ليهديهم إلى الاعتدال، وهو ما يلتقي في جوهره مع ما أثبته العلم من فوائد الصيام وتنظيم الغذاء. وفي مجمل طرحه، تتجلى فكرة مركزية: أن الخطر الحقيقي لا يكمن في نوع طعام بعينه، بل في الفوضى المعرفية التي تحيط بالغذاء، حيث تتنازع المنصات أصوات غير متخصصة، تخلط بين الرأي والعلم، وتبني قناعات قد تضر أكثر مما تنفع.
دعوة لتكاتف المؤسسات الطبية
من هنا، تبدو دعوته إلى تكاتف المؤسسات الطبية ضرورة لا رفاهية، لحماية وعي الناس قبل أجسادهم، ولإعادة الاعتبار للعلم بوصفه المرجعية الأولى في قضايا تمس حياة الإنسان مباشرة.



