أجاب الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، على سؤال متصل يشكو من زوجته التي يصفها بالنكدية، حيث تتعمد معاملته بشكل سيئ وتترك البيت، بينما يتكفل هو بالإنفاق عليها رغم سوء معاملتها له، متسائلاً: هل تعتبر آثمة؟
وقال أمين الفتوى: "هي شريكة في الحياة، ونحن لسنا ملائكة، وأكيد ليست نكدية هكذا بدون أساس، وإذا كانت كذلك فهي تحتاج إلى علاج نفسي". وأضاف: "لا أظن أن هذا الطبع موجود؛ فالمرأة تزعل أكثر من زوجها عندما لا ترى معاملة طيبة ولا تسمع كلمة طيبة منه، والقرآن الكريم علمنا أن نقدم دائماً لأنفسنا بالمعاملة الطيبة"، مستشهداً بقول الله تعالى: "وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ".
عقوبة سوء معاملة الرجل لزوجته
أوضحت دار الإفتاء المصرية أنه لا يجوز للرجل إساءة معاملة الزوجة، مشيرة إلى أن ما يصدر من الزوج تجاه زوجته من اعتداء وتهديد وترويع هو من الأمور التي أجمع المسلمون على تحريمها، ولا علاقة لها بتعاليم الإسلام ولا بالشريعة الإسلامية، وفاعل ذلك آثم شرعاً.
وبينت الإفتاء في إجابتها عن سؤال حول حكم إساءة معاملة الزوجة أن الإسلام أمر الزوج بإحسان عشرة زوجته، وأخبر سبحانه أن الحياة الزوجية مبناها على السكن والمودة والرحمة، مستشهدة بقوله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [الروم: 21].
ونبهت إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل معيار الخيرية في الأزواج قائماً على حسن معاملتهم لزوجاتهم، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي» رواه الترمذي.
ما حكم إساءة معاملة الزوجة
أضافت دار الإفتاء أن الإسلام هو دين الرحمة، وقد وصف الله تعالى حبيبه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بأنه رحمة للعالمين، وأكد الشرع على حق الضعيف في الرحمة به، وجعل المرأة أحد الضعيفين؛ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَينِ: اليَتِيم وَالمَرْأة» رواه النسائي وابن ماجه.
وأشارت إلى أن المرأة أحق بالرحمة من غيرها؛ لضعف بنيتها واحتياجها في كثير من الأحيان إلى من يقوم بشأنها؛ ولذلك شبَّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم النساء بالزجاج في الرقة واللطافة وضعف البنية، فقال لأنجشة: «ويحكَ يا أَنْجَشَةُ، رُوَيْدَكَ بِالقَوَارِيرِ» رواه الشيخان.
وأكدت أن الإسلام أمر الزوج بإحسان عشرة زوجته، وأخبر سبحانه أن الحياة الزوجية مبناها على السكن والمودة والرحمة، وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم معيار الخيرية في الأزواج قائماً على حسن معاملتهم لزوجاتهم، كما حض الشرع على الرفق في معالجة الأخطاء، ودعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفق في الأمر كله.
ولفتت إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يضرب أحداً من زوجاته أبداً، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ" أخرجه مسلم.
وأفادت بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الأسوة الحسنة التي يجب على الأزواج أن يقتدوا بها في معاملة زوجاتهم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
وأكدت أن الأصل في الشرع حرمة الإيذاء بكل صوره وأشكاله؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أَلا أُخْبِرُكُم بِالمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ على أموالِهِم وأنفُسِهِم» أخرجه أحمد وابن حبان.
واستندت إلى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ظَهْرُ المؤمنِ حِمًى إلا بِحَقِّه»، رواه الطبراني، وبوب عليه البخاري في صحيحه.
وتابعت: ومن المعلوم أن هذا من سلطة القانون والنظام لا الأفراد، وما يوجد في المجتمعات الإسلامية من ذلك فهو ناتج عن عدم التزام الأزواج بتعاليم دينهم الحنيف، ولا يجوز أن ينسب إلى الإسلام. وقوانين الأحوال الشخصية في العالم الإسلامي تجرم العنف ضد الزوجة، وتجعل ذلك ضرراً يعطي الزوجة الحق في طلب التعويض والطلاق مع حقوقها كاملة.
وذكرت أنه جاء في "ميثاق الأسرة في الإسلام" الذي أصدرته اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل: "لا يجوز -مهما بلغت درجة الخلاف بين الزوجين- اللجوء إلى استعمال العنف تجاوزاً للضوابط الشرعية المقررة، ومن يخالف هذا المنع يكون مسؤولا مدنياً وجنائياً".
وجاء في المادة (6) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929م المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985م: [إذا ادعت الزوجة إضرار الزوج بها بما لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما يجوز لها أن تطلب من القاضي التفريق]. ومن الأمثلة القانونية لهذا الضرر: اعتداء الزوج على زوجته بالضرب أو السب.
وأشارت إلى أحكام محكمة النقض المصرية: [لئن كانت الطاعة حقاً للزوج على زوجته إلا أن ذلك مشروط بأن يكون الزوج أميناً على نفس الزوجة ومالها، فلا طاعة له عليها إن هو تعمد مضارتها، بأن أساء إليها بالقول أو بالفعل، أو استولى على مال لها بدون وجه حق] (نقض طعن رقم 116 لسنة 55 ق أحوال شخصية، جلسة 24/ 6/ 1986م).



