من مذكرات فاليري ليجاسوف: الأسباب الحقيقية لانفجار مفاعل تشيرنوبل في 26 أبريل 1986
مذكرات ليجاسوف: الأسباب الحقيقية لانفجار مفاعل تشيرنوبل

في ليلة 26 أبريل 1986، تغير العالم إلى الأبد بعد انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي في أوكرانيا. بدأت الأحداث بمحادثة مسجلة بين مركز الإطفاء ووحدة الإطفاء رقم 2، حيث أبلغ عن حريق في المبنى الرئيسي بين المفاعلين الثالث والرابع. لكن الحريق لم يكن عادياً، بل نتج عن انفجار هائل أدى إلى تسرب إشعاعي كارثي، مما تسبب في تلوث دول مجاورة وإصابة آلاف الأشخاص بالسرطان والوفاة بسبب التعرض للإشعاع.

بداية الكارثة وتكتم السلطات

منذ اللحظة الأولى للانفجار، كان من المفترض إعلان حالة الطوارئ وتحذير الدول المجاورة، لكن سلطات الاتحاد السوفيتي تكتمت على الحادث واعتبرته بسيطاً. ومع ذلك، كشف العالم فاليري ليجاسوف الحقيقة كاملة في مذكراته الصوتية التي سجلها قبل أن ينهي حياته بعد عامين فقط من الواقعة. وقد اعترف الاتحاد السوفيتي لاحقاً بعيوب المفاعل، وفي عام 2006، أكد ميخائيل جورباتشوف أن كارثة تشيرنوبل ربما كانت السبب الحقيقي لانهيار الاتحاد السوفيتي.

فاليري ليجاسوف: العالم الذي ضحى بحياته من أجل الحقيقة

وُلد فاليري أليكسييفتش ليجاسوف في 1 سبتمبر 1936 في تولا بروسيا. التحق بمعهد مندليف للكيمياء والتكنولوجيا في موسكو، المتخصص في الصناعة النووية. عمل في مصنع سيبيريا للكيماويات للمساعدة في تطوير البلوتونيوم للأسلحة النووية، وحصل على درجة الدكتوراه من معهد كورتشاتوف للطاقة الذرية. أصبح أحد أصغر الأعضاء في الأكاديمية الروسية للعلوم في عمر 45 عاماً، وكان متزوجاً ولديه طفلان. لكن حياته انقلبت رأساً على عقب بعد كارثة تشيرنوبل.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

في صباح 26 أبريل 1986، انفجر المفاعل الرابع في محطة تشيرنوبيل أثناء إجراء اختبار أمان. دمر الانفجار سقف المفاعل الذي يزن 1000 طن، وأطلق كميات هائلة من الإشعاع. اختير ليجاسوف للانضمام إلى اللجنة الحكومية الموكلة بالتحقيق، وعند وصوله اكتشف أن الجميع لا يعرف ماذا يفعل. اتخذ عدة إجراءات حاسمة، منها الإخلاء الفوري لمدينة بريبيات المجاورة التي كان يسكنها 50 ألف نسمة، وقرار إلقاء خليط من البورون والرصاص وطين الدولوميت من طائرات هليكوبتر للسيطرة على المفاعل المشتعل. كان يستقل طائرة هليكوبتر للتحليق فوق المفاعل نحو ست مرات يومياً لإجراء قياسات الإشعاع، غير مكترث بالأضرار الصحية الكارثية التي ستصيبه.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

مؤتمر فيينا: لحظة الحقيقة

بعد السيطرة على الحريق نسبياً في أغسطس 1986، طُلب من زعيم الاتحاد السوفيتي ميخائيل جورباتشوف توضيح أسباب الكارثة. اختار المسؤولون ليجاسوف لشرح الأمر في مؤتمر للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، بحضور 500 خبير من 62 دولة. طلبت منه السلطات إلقاء اللوم على الخطأ الإداري للقائمين على المفاعل، لكنه فاجأ الحضور وأخبرهم بأن السلطات السوفيتية كانت تعلم بوجود عيوب تصميم قاتلة في مفاعلات RBMK، التي من بينها تشيرنوبل. لمدة خمس ساعات ظل يجيب على أسئلة الجميع بلا كلل. بعد المؤتمر، حصل على لقب "شخصية العام" في أوروبا، وأُدرج ضمن قائمة أفضل 10 علماء في العالم.

يقول ليجاسوف في مذكراته: "كان الإهمال من جانب الإدارة العلمية والمصممين سائداً في كل مكان، دون إيلاء أي اهتمام لحالة الأجهزة أو المعدات".

النبذ والانتحار

كان المؤتمر هو المسمار الأخير في نعش مسيرته المهنية. نبذه الكثير من العلماء السوفيتيين واعتبروا أنه كشف معلومات سرية للعالم. وصل الأمر إلى مطالبات بمحاكمته بتهمة تسريب معلومات سرية من قبل وزارة صناعة الآلات المتوسطة. أصبح منبوذاً من المجتمع العلمي بأكمله، ولم يُكرم على عمله في تشيرنوبل، بل جرى تجاهله تماماً. لم يتم اختياره لشغل مقعد في المجلس العلمي والتقني لمعهد كورتشاتوف للطاقة الذرية، بعد أن كان نائباً للمدير. تجاهلت السلطات توصياته بإصلاح المفاعلات المتبقية، رغم وعودهم السابقة.

ازداد الأمر سوءاً بالمراقبة اللصيقة من السلطات ومنعه من التحدث عن المفاعل. أصبح معزولاً لا يستطيع التحدث مع أحد، إضافة إلى معاناته من آثار الإشعاع. قضى أربعة أشهر بالقرب من محطة الطاقة النووية، وأصيب بالتهاب البنكرياس الإشعاعي ومرض الإشعاع في المرحلة الرابعة. وجد الأطباء أدلة على تلف نخاع العظام، وعانى من الغثيان والصداع الشديد، وبدأت أطرافه وأصابعه تشعر بالخدر. عندما علم بتجاهل السلطات لتوصياته بعد عامين على الكارثة، أصيب باليأس. في 27 أبريل 1988، الموافق الذكرى السنوية الثانية لكارثة تشيرنوبل، أنهى فاليري ليجاسوف حياته، تاركاً مذكرات بصوته يحكي فيها كل ما حدث والعيوب القاتلة في تصميمات المفاعل التي أنكرها الاتحاد السوفيتي. كان انتحاره سبباً في معرفة الحقيقة، واضطرت السلطات لاحقاً إلى الاعتراف بأخطائها وتصحيح عيوب بقية المفاعلات من نوع RBMK.

تفاصيل الانفجار من المذكرات

قبل عامين ويوم واحد من إنهاء حياته، استيقظ ليجاسوف يوم السبت 26 أبريل 1986، وقرر الذهاب إلى اجتماع نشطاء الحزب في وزارة الطاقة. قبل بدء الاجتماع، أخبره نيكولاي إيفانوفيتش ييرماكوف أن حادثاً مؤسفاً وقع في محطة تشيرنوبل، وأنه تم تعيينه في اللجنة الحكومية للتحقيق. لم يكن لدى ليجاسوف أدنى فكرة بأن هذه الحادثة ستنهي مسيرته وحياته.

يقول ليجاسوف في مذكراته الصوتية إنه علم بتلقي المسؤولين إشارة إنذار سيئة من المحطة في الليلة السابقة، محتواها "1-2-3-4"، مما يعني أن حدثاً ينطوي على أربعة أنواع من المخاطر: خطر نووي وإشعاعي وحريق وانفجار. توجه فريق اللجنة إلى الموقع خلال أربع ساعات. كان التقرير الوحيد الدقيق هو عن الحادث في المبنى الرابع للمفاعل أثناء إجراء تجربة غير قياسية لتشغيل المولد التوربيني، حيث وقع انفجاران تسببا في تدمير مبنى المفاعل. أصيب نحو 100 شخص بإصابات إشعاعية، وتوفي شخصان.

عندما كان أعضاء اللجنة على بعد 8 كيلومترات من تشيرنوبل، وصف ليجاسوف الوضع بأنه مقلق للغاية: السماء متوهجة باللون القرمزي، والمحطة تبدو كمصنع معدني عملاق مع وهج ضخم. صدرت الأوامر بإغلاق مبنى المفاعل الثالث، بينما استمر المبنيان الأول والثاني في العمل رغم تلوث غرفهما الداخلية بمستويات إشعاع بلغت عشرات رونتجن في الساعة، بسبب فتحات التهوية التي لم تُغلق في الوقت المناسب. كانت اللوحة العلوية للمفاعل والمعروفة باسم "يلينا" في وضع شبه عمودي، مما يعني أن قوة هائلة جعلتها تنفصل عن أعلى المفاعل. دُمر الجزء العلوي من قاعة المفاعل بالكامل، وتناثرت قطع من كتل الجرافيت وعناصر قضبان الإشعاع الحراري على أسطح غرفة المحركات وأراضي المحطة، مما يشير إلى انفجار بقوة 3 إلى 4 أطنان من مادة تي إن تي.

بحلول مساء 26 أبريل، جربت جميع الاحتمالات لإغراق المنطقة النشطة، لكنها أدت فقط إلى تبخر شديد وإغراق غرف الخدمة في المبنى المجاور. تعرض رجال الإطفاء لجرعات عالية من الإشعاع لأنهم كانوا يقفون في أماكن مراقبة لمنع اندلاع حرائق جديدة، حيث كانت غرفة المحركات تحتوي على الكثير من الزيت والهيدروجين. كانت فوهة الحطام في الكتلة الرابعة تنفث غازات الهباء المشعة بسبب احتراق الجرافيت الذي دام 240 ساعة، وقُدر بـ2500 طن. لم تكن هناك وسيلة تقنية لإطفاء حريق الجرافيت بالطرق التقليدية. أُسقطت 2400 طن من الرصاص عبر طائرات الهليكوبتر، بالإضافة إلى طين ورمل بكميات كبيرة لتكوين طبقة ترشيح تحتجز المكونات المشعة. استمرت عمليات الإلقاء من 26 أبريل حتى 2 مايو، ثم توقفت، واستؤنفت في 9 مايو عندما رُصدت منطقة مشتعلة في المفاعل، وأُلقيت 80 طناً إضافية من الرصاص حتى 15 مايو.

الإجلاء والتلوث

اتخذ قرار الإجلاء الإلزامي لسكان بريبيات، وفي حوالي الساعة 2:30 مساءً، كانت المدينة بأكملها خالية باستثناء عمال المحطة. لكن ظهرت عقبة غير متوقعة: سمحت اللجنة الحكومية لبعض المواطنين بالسفر بسياراتهم وأشيائهم الخاصة، مما أدى إلى انتشار التلوث خارج المنطقة. كان السكان البالغ عددهم 50 ألف نسمة يأملون أن يكون الإجلاء مؤقتاً. في اليوم الثالث، عرض ليجاسوف تنظيم مجموعة إعلامية ودعوة 3 صحفيين لنشر المعلومات الصحيحة، لكن الاقتراح لم يُنفذ.

في 2 مايو، قررت اللجنة مواصلة الإجلاء من منطقة 30 كيلومتراً حول المحطة. لُوحظت زيادة في مستويات الإشعاع في كييف ومدن أخرى بعيدة. أظهر تقرير لمعهد GeoChem أن أكثر من 50% من محتويات المفاعل تسربت من قلبه. اُتخذ قرار ببناء حاجز خرساني تحت الأرض يحيط بالمناطق الملوثة لمنع تسرب المواد المشعة إلى المياه الجوفية. عمل عمال المناجم و10 آلاف عامل بمترو الأنفاق بجد لإنشائه دون إبلاغهم بتعرضهم لمستويات قاتلة من الإشعاع.

الأسباب العلنية للانفجار

تمثلت الأسباب العلنية في أن المفاعل الرابع بُني في 20 ديسمبر 1983، وصدّق مدير المحطة فيكتور بريخانوف على اكتمال بنائه بعد 11 يوماً فقط، بموافقة نائبه أناتولي دياتلوف وكبير المهندسين نيكولاي فومين. لكنهم كذبوا: لتوقيع مستند التصديق، كان لا بد من إجراء جميع اختبارات الأمان، إلا أن اختباراً واحداً لم يُكمل رغم محاولات استمرت 3 سنوات. يتكون المفاعل من نواة (القلب) يحيطها مضخات تضخ الماء لتبريد القلب. يولد القلب حرارة تبخر المياه، ويتسبب البخار في تدوير التوربينة لإنتاج الكهرباء. السؤال كان عن احتمالية انقطاع مفاجئ للكهرباء، مما قد يؤدي إلى توقف المضخات وارتفاع حرارة المفاعل وانفجاره. الحل كان تشغيل 3 مولدات احتياطية تعمل بالديزل، لكنها تستغرق دقيقة كاملة للعمل. تمثل اختبار الأمان في أنه إذا حدث انقطاع مفاجئ، يمكن تحويل الطاقة الناتجة عن التوربينة قبل توقفها لتأمين الطاقة اللازمة للمضخات لحين عمل المولدات، عبر خفض طاقة المفاعل إلى 1700 ميجاواط لمحاكاة انقطاع التيار، ثم إغلاق التوربينات وقياس إنتاجها الكهربائي. فشل الاختبار 3 مرات.

في الساعة الثانية مساء يوم 25 أبريل، خُفضت طاقة المفاعل إلى 1600 ميجاواط استعداداً للاختبار عند 700 ميجاواط. لكن مسؤولي الطاقة في كييف قالوا إنهم لا يمكنهم تحمل خفض الطاقة إلا بعد منتصف الليل. كان يجب إلغاء الاختبار، لكن بريخانوف وفومين ودياتلوف أصروا على استكماله، وأوكلوا المهمة إلى الوردية الليلية التي تضم ليونيد توبتونوف (مهندس التحكم في المفاعل، عمره 25 عاماً ويفتقر إلى الخبرة) وألكسندر أكيموف (مسؤول غرفة التحكم). بسبب تراكم عنصر الزينون، تسمم قلب المفاعل ولم يعد هناك فائدة من الاختبار. لكن دياتلوف هدد العاملين وأمرهم برفع طاقة المفاعل فوراً في الساعة 12:38 بعد منتصف ليل 26 أبريل.

بدأ الثنائي في سحب قضبان التحكم لاستعادة طاقة المفاعل، ووصلت إلى 200 ميجاواط فقط. مع توقف المضخات عن العمل، ارتفعت طاقة المفاعل في أقل من ثانية بسبب غياب عناصر التحكم. في الساعة 1:23 صباحاً، اضطر توبتونوف لضغط زر (Az5) لإيقاف المفاعل في حالة الطوارئ عبر إنزال قضبان التحكم المصنوعة من البورون. لكن أطراف القضبان كانت مصنوعة من الجرافيت الذي يزيد التفاعل. في أقل من ثانية، ارتفعت طاقة المفاعل إلى 33 ألف ميجاواط. في الساعة 1:23 و45 ثانية، انفجر غطاء المفاعل، مما أدى إلى تفاعل الأكسجين مع الهيدروجين والجرافيت وانفجار قلب المفاعل.

الأسباب الحقيقية: عيوب التصميم القاتلة

يقول ليجاسوف في مذكراته إن الاتحاد السوفيتي أراد إظهار أن ما حدث كان خطأ إدارياً، لكن الحقيقة أن مفاعل RBMK يعد من أسوأ أنواع المفاعلات النووية. استهلاكه العالي للوقود وبنيته غير الصناعية، بالإضافة إلى التفاعلات الكيميائية الضخمة داخله بسبب احتوائه على الجرافيت والزركونيوم والماء. درجة الحرارة التي يبدأ عندها تفاعل البخار والزركونيوم مصحوباً بتولد الهيدروجين غير مقبولة من حيث المبدأ. يتضمن عيباً قاتلاً في أنظمة السلامة: معامل التفاعل الإيجابي، إذا بدأ في الظهور، يمكن للمشغلين خفض قضبان الطوارئ باستخدام زر AZ-5، لكن المفاعل لم يكن مزوداً بأي قضبان ميكانيكية أو أنظمة أمان أخرى، إضافة إلى غياب مباني الاحتواء حول المفاعل. يقول ليجاسوف: "عندما زرت محطة تشيرنوبيل بعد الحادث، توصلت إلى أن كارثة تشيرنوبيل هي تتويج لكل سوء الإدارة الذي مورس على مدى عقود في بلدنا".

احتوى مفاعل RBMK على أخطاء تصميمية رئيسية: أولاً، كان ينبغي وجود نظامين للحماية في حالات الطوارئ على الأقل وفقاً للمعايير الدولية، أحدهما يعمل تلقائياً والآخر يدوياً، لكنه افتقر إلى نظام حماية ثانٍ مستقل عن المشغل. ثانياً، جميع أنظمة الحماية الطارئة كانت متاحة لموظفي المحطة دون رموز سرية مزدوجة، إذ كان يمكن تعطيل الحماية بتدوير مفتاح بسيط. بالإضافة إلى افتقار المصممين إلى المعرفة الفيزيائية اللازمة بالتفاعلات الحيوية داخل المفاعل، واعتماد المفاعل على قضبان تحكم مصنوعة من البورون والجرافيت تستغرق 5 أو 6 ثوانٍ للنزول إلى قلب المفاعل. كل هذه العيوب تجاهلتها الحكومة السوفيتية، مما أدى إلى وقوع الكارثة.