أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء تحليلاً جديداً حول أزمة التلوث البلاستيكي العالمي، مسلطاً الضوء على المخاطر البيئية والصحية والاقتصادية الناجمة عن البلاستيك، وفق أحدث البيانات الدولية، ومستعرضاً الحلول الممكنة لمواجهة هذه الأزمة.
تأثير البلاستيك على المناخ والصحة
أوضح التحليل أن البلاستيك يمثل خطراً متزايداً على البيئة والمناخ والصحة العامة، نتيجة التوسع الكبير في إنتاجه واستهلاكه وطرق التخلص منه. وأشار إلى أن جميع مراحل دورة حياة البلاستيك تسهم في تفاقم تغير المناخ والأزمات البيئية والاجتماعية والصحية، بدءاً من استخراج الوقود الأحفوري عبر التكسير الهيدروليكي، مروراً بعمليات التصنيع التي تطلق ملوثات هوائية، ووصولاً إلى الاستخدام المكثف ثم التخلص منه في المدافن أو المحارق أو تسربه إلى البحار.
ولفت التحليل إلى أن الانتشار الواسع للمنتجات البلاستيكية أحادية الاستخدام تسبب في زيادة حادة بكميات النفايات، مما يضاعف التحديات البيئية عالمياً.
أضرار البلاستيك على البيئة والصحة العامة
تشير التقديرات إلى أن البلاستيك التقليدي يصدر أكثر من 2.4 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، أي ما يعادل نحو 5% من الانبعاثات العالمية. وتتجلى أضرار البلاستيك في قدرته على البقاء لفترات طويلة قد تصل إلى قرون في الهواء والتربة والمحيطات، حيث يتحلل إلى جزيئات بلاستيكية دقيقة تتسرب منها مواد كيميائية تشكل مخاطر صحية جسيمة. وقد تم اكتشاف جزيئات البلاستيك الدقيقة والنانوية في كل جزء تقريباً من جسم الإنسان، حيث تدخل عن طريق الغذاء والماء والهواء. وأظهرت إحدى الدراسات وجود هذه الجزيئات في دماء نحو 89% من البالغين الأصحاء، مما يتسبب في زيادة الالتهابات ومخاطر التجلط وزيادة الإصابة بأمراض القلب والاضطرابات العصبية.
وعلى المستوى الاقتصادي، تشير التقديرات إلى أن التلوث البلاستيكي يتسبب في أضرار بيئية تُقدر بنحو 75 مليار دولار سنوياً، منها 13 مليار دولار مرتبطة بالنظم البيئية البحرية. كما أن البلاستيك مسؤول عن خسائر اقتصادية تتعلق بالصحة تزيد على 1.5 تريليون دولار سنوياً.
تزايد إنتاج البلاستيك وتسرُّبه
استعرض التحليل تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي تشير إلى أن إنتاج البلاستيك واستخدامه بلغ 435 مليون طن في عام 2020، مرتفعاً من 234 مليون طن في عام 2000. وبدون اتخاذ أي إجراءات إضافية، من المتوقع أن يرتفع إنتاج البلاستيك واستخدامه وتوليد نفاياته بنسبة 70% بحلول عام 2040 مقارنة بعام 2020، وسيستمر هذا الارتفاع متجاوزاً نمو السكان العالمي.
ورغم تحسن أنظمة إدارة النفايات مع ازدياد ثراء الدول، فإن الاتجاهات المتوقعة في إنتاج البلاستيك واستخدامه ستؤدي إلى زيادة تسرب البلاستيك إلى البيئات الأرضية والمائية بنسبة 50% بين عامي 2020 و2040 ليصل إلى 30 مليون طن. ومن المتوقع أيضاً أن يستمر تسرب الجزيئات البلاستيكية الدقيقة -مثل تلك الناتجة عن إطارات المركبات، والمنسوجات الاصطناعية، وحبيبات البلاستيك- في النمو بالمثل في جميع المناطق.
حلول لمواجهة التلوث البلاستيكي
في ضوء تفاقم التلوث البلاستيكي عالمياً، تتطلب المواجهة الفاعلة إصلاحاً شاملاً للمنظومات التي تصمم وتنتج وتستهلك وتدير البلاستيك. ولا يقتصر الحل على استبدال المنتجات أحادية الاستخدام ببدائل قابلة لإعادة الاستخدام، بل يتطلب الأمر إعادة تشكيل الحوافز والسياسات والبنية التحتية عبر سلسلة القيمة كاملة. ويمكن تلخيص هذه الاستجابات في مسارين رئيسيين:
حلول المنبع
تركز تدخلات المنبع على الحد من التلوث عن طريق تقييد إنتاج البلاستيك واستخدامه في الأساس، عبر أدوات سياسية واقتصادية وتشريعية تغير أنماط العرض والطلب، وتتمثل في:
- خفض الطلب على البلاستيك: يتطلب تقليل الاعتماد على المنتجات والعبوات أحادية الاستخدام، وتعزيز المتانة في الصناعات التي تتطلب استخداماً طويل الأمد. غير أن خفض الطلب لا يتحقق بفاعلية دون تقليل العرض، فوفرة البلاستيك ورخص تكلفته يجعلان البدائل أقل تنافسية.
- حظر البلاستيك أو تقييده: يمثل التخلص من البلاستيك غير الضروري خطوة محورية؛ فقد فرضت 127 دولة قيوداً أو حظراً على الأكياس البلاستيكية، وأدت الرسوم المفروضة على حقيبة التسوق ذات الاستخدام الواحد في المملكة المتحدة إلى خفض استخدامها في المتاجر الكبرى بنسبة 98%.
- تعزيز متطلبات الإفصاح والشفافية: قد يساعد اشتراط إفصاح الشركات عن أنواع البوليمرات والمواد المضافة المستخدمة قبل طرح المنتجات بالأسواق في تمكين السلطات من تقييم الآثار الصحية والبيئية. كما يمكن للحكومات أن تُلزم الشركات بالإفصاح عن كميات وأنواع البلاستيك التي تستخدمها وعن النفايات الناتجة، مما يسهم في تعزيز الرقابة وتقليل الاستخدام غير الضروري.
- تحسين أنظمة الملصقات: رغم انتشار الملصقات الخاصة بالبلاستيك عالمياً، فإن الكثير منها مضلل فيما يخص قابلية التدوير. ومن ثم، يُعد توحيد أنظمة الملصقات وتبسيطها خطوة ضرورية لخفض الالتباس لدى المستهلكين وتحسين إدارة النفايات.
- المسؤولية الممتدة للمنتج (EPR): تُلزم هذه السياسات المنتجين بتحمل المسؤولية عن منتجاتهم طوال دورة الحياة، من الإنتاج إلى التخلص. ويُعد نظام كوريا الجنوبية مثالاً بارزاً، حيث فرضت متطلبات إلزامية على الشركات التي تتجاوز حجم مبيعات سنوي معين أو حجم تعبئة، مما حفزها على تقليل النفايات وتحسين إدارتها.
- الحوافز الاستثمارية والابتكار: يعزز الاستثمار في خدمات أساسية مثل أنظمة مياه الشرب النظيفة انخفاض الطلب على زجاجات المياه أحادية الاستخدام، خاصة في المجتمعات ذات البنية التحتية المحدودة لإدارة النفايات. ويسهم القطاعان الأكاديمي والخاص في تطوير المواد الأولية البديلة، بينما يمكن للمؤسسات المالية دعم هذا التحول عبر أدوات سوقية مثل ائتمانات البلاستيك.



