كيف استطاع الإسلام أن يوازن بين الواجبات التي فرضها على المسلم وبين ما تتطلع إليه نفسه البشرية؟ هذا السؤال أجاب عنه الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، في تصريحات أوضح فيها أن الإسلام لم يجعل الفروض الدينية شاغلاً للإنسان عن دنياه، بل حثه على الجد والسعي في طلب الرزق وإعمار الأرض.
التوازن بين الدنيا والآخرة
أكد علي جمعة أن الإسلام وازن بين الواجبات والطموحات البشرية، مستشهداً بقوله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الجمعة: 10)، وقوله: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ (القصص: 77).
واستشهد بحديث حنظلة رضي الله عنه حين قال: كنا عند رسول الله ﷺ فوعظنا فذكر النار، ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة، فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك له، فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر. فلقينا رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، نافق حنظلة. فقال: «مَهْ؟». فحدثته بالحديث، فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل. فقال ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً (رواه مسلم).
كما أشار إلى مقولة عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.
الطموح الزائد مرفوض
أوضح علي جمعة أن الاستغراق في المأمول بلا حدود هو طموح زائد يتحول إلى جموح، وهو أمر مرفوض في الإسلام، مستشهداً بقوله تعالى: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا، إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ، وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (الإسراء: 37).
وبين أن إعادة ضبط الطموح في إطار المشروع، وفي إطار ما أحله الله وأباحه، ودون الخروج عن الهدي النبوي أو مخالفة النظام العام، يؤدي إلى تحقيق الهدف والطموح دون منغصات أو وخز ضمير أو نظرات مستهجنة.
التوازن يؤدي إلى التسامح
أكد أن الإنسان المسلم حين يحقق هذا التصالح مع ذاته، يصل إلى التسامح والتصالح مع الآخرين، فيعيش المجتمع المسلم في طمأنينة واستقرار، لأن كل فرد يعمل على جلب النفع ودفع الضر تحت قاعدة: المسلم يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وخلص إلى أن سبيل المسلمين لا إفراط فيه ولا تفريط.



