في إطار استعراضنا للأسر الحاكمة في مصر القديمة، نعود اليوم إلى الأسرة الثامنة عشر لنسلط الضوء على أحد أعظم ملوكها: الملك تحتمس الأول. هذا الفرعون المحارب الذي وسع حدود مصر وجعلها إمبراطورية عظيمة.
نشأة تحتمس الأول وتوليه العرش
أصبح الملك تحتمس الأول ملكًا بعد وفاة الملك أمنحتب الأول، وهو الفرعون الثالث خلال الأسرة الثامنة عشر. على الرغم من أنه لم يكن ينتمي إلى عائلة أحمس -ربما كان واحدًا من قادة الجيش السابقين- فقد اعتلى العرش في سن الأربعين تقريبًا، ويُعتقد أنه حكم أكثر قليلًا من عشر سنوات. كانت زوجته الرئيسة الملكة أحمس، والتي يشير اسمها إلى أنها كانت من أقارب الأسرة المالكة. أنجب الملك تحتمس الأول والملكة أحمس الملكة حتشبسوت، كما أنجب من موت نفرت -الزوجة غير الملكية- خليفته تحتمس الثاني، وقد كان لديه أيضًا أبناء آخرون لم يتم التعرف على أمهاتهم.
إنجازاته العسكرية والتوسع الإقليمي
عرف الملك تحتمس الأول كملك محارب عظيم، حيث كان من إنجازاته شن حملات كبيرة على سوريا، وكذلك امتد الحكم المصري في عهده ناحية الجنوب حتى الجندل الرابع للنيل. وقد فتحت حملاته العسكرية -والتي تم تسجيلها في مقابر العديد من مسؤوليه- فرصًا جديدة للتبادل التجاري والعلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول المجاورة لمصر، وكان يقوم أيضًا بحملات في عمق بلاد الشام والنوبة، ودفع حدود مصر إلى أبعد من أي وقت مضى.
الحملة الأولى على النوبة
بعد أن تولي تحتمس الحكم، تمردت النوبة ضد الحكم المصري. فوفقًا لسيرته الذاتية من مقبرة أحمس بن إبانا، سافر تحتمس إلى أعلى نهر النيل وقاتل شخصيًا في المعركة، وقتل الملك النوبي. بعد الانتصار، قام بتعليق جسد الملك النوبي على مقدمة مركبه، قبل أن يعود إلى طيبة. بعد تلك الحملة، قاد حملة ثانية ضد النوبة في عامه الثالث وفي أثنائها أمر بتجريف القناة عند الجندل الأول ـ التي قد بُنيت في عهد سيزوستريس الثالث من الأسرة الثانية عشر - من أجل تسهيل تدفق المياة التي تسير ضد التيار من مصر إلى النوبة. ساعد هذا في اندماج النوبة في الإمبراطورية المصرية.
الحملة على سوريا وبلاد الرافدين
في السنة الثانية من عهد تحتمس، قطع الملك لوحات تذكارية في طومبس (بالنوبة)، الذي يسجل أنه بنى قلعة في طومبس، بالقرب من الشلال الثالث، وبالتالي تمدد الوجود العسكري المصري، الذي توقف سابقًا في بوهين، عند الشلال الثاني بشكل دائم. هذا يدل على أنه خاض بالفعل حملة على سوريا؛ ومن هنا، ربما وقعت حملته على سوريا في بداية عامه الثاني بالحكم. كانت الحملة الثانية أبعد ما وصل إليه حاكم مصري بحملة من جهة الشمال. على الرغم من أنه لم يعثر عليها في العصر الحديث، فقد وضع على ما يبدو حتى لوحة تذكارية عندما عبر نهر الفرات. خلال هذه الحملة، أعلن الأمراء السوريون الولاء لتحتمس. بعد عودته، أوقف الضريبة المفروضة وبدأ إنشاء التحصينات ضد الغارات في المستقبل. احتفل تحتمس بانتصاراته باصطياده للفيلة في منطقة نيا، بالقرب من أفاميا بسوريا، وعاد إلى مصر مع حكايات غريبة من الفرات، "أن المياه مقلوب وتتدفق من المنبع بدلًا من أن تتدفق من المصب"، وبات نهر الفرات يُعرف "المياه المعكوسة".
الإنجازات الحضارية والعمرانية
بعد أن توسعت حدود ملك تحتمس الأول، قام بالاحتفال بما حققه من انتصارات فبنى قاعة فسيحة في معبد آمون بعد قيامه بتجديد وتعمير المعبد في طيبة. وأقام مسلتين أمام البوابة الرابعة في معبد آمون لا تزال إحداهما قائمة بمعبد الكرنك، وقد صُنعتا من الجرانيت الذي أحضره تحتمس من مصر العليا محملا على قارب طوله حوالي 60 مترا وعرضه حوالي 22 مترا ويحمل كتلتان هائلتان من الجرانيت تبلغ كل منهما حوالي 22 متر طولا ومترين حول القاعدة وتزن حوالي 143 طن، كما شيد الصرحان الرابع والخامس في معبد الكرنك. ومن لوحة أبيدوس يبدو أن تحتمس أضاف إلى معبد أوزوريس، وله آثار في الجيزة والفنتين وأرمنت ومنف وفي سيناء في منطقة شرابة الخادم.
الأبناء والخلافة
أنجب تحتمس الأول من الملكة أحمس ابنته حتشبسوت وولديه أمون-مس ووازمس اللذين توفيا في سن صغير. كما أنجب من زوجته الثانية موت نفرت ابنه تحتمس الثاني. وأنجب أيضًا العديد من الأبناء من زوجات أخريات. مات أولاده الذكور في حياته ولم يعش له إلا تحتمس الثاني الذي تزوج أخته من أبيه حتشبسوت. سجلت حتشبسوت لاحقًا أن تحتمس ولى العرش إلى كل من تحتمس الثاني وحتشبسوت. ويعتبر هذا دعاية من قبل أنصار حتشبسوت لإضفاء الشرعية على أحقّيتها بالعرش عندما تولت السلطة لاحقًا.
الوفاة والدفن
توفى تحتمس الأول وهو في سن الخمسين تقريبًا وقد دفن في وادي الملوك، ويعتبر أول ملك يدفن بهذا المكان بالمقبرة التي أعدها له إنني مدير أعماله وهي مكسوة بالجص ومنقوشة بنص قصير ملون عنوانه "رسائل الحجرة السرية" ويشتهر بعنوانه الفرعي "كتاب ما هو موجود في العالم السفلى" وهو مكتوب بالعلامات الهيروغليفية المتصلة، والمناظر بأشكال تخطيطية، ولم يتبق من هذه المقبرة سوى شظايا قليلة، ثم نقل جثمانه بعد ذلك ببضع سنين إلى قبر ابنته حتشبسوت الذي أعدته لها ولوالدها، وتوجد مومياؤه الآن في المتحف المصري، وتظهر الفحوصات التي تمت على مومياؤه أنه كان يعاني من التهاب المفاصل الروماتيزمي وأنه في وقت ما من حياته أصيب بكسر في الحوض.



