كيف يكون حال المسلم بعد الحج وعلامات القبول الحقيقية؟ سؤال أجابت عنه وزارة الأوقاف المصرية، مؤكدة أن الحج ولادة للروح من ضيق الرسوم إلى سعة القبول، ولا حياة لمولود إلا بنفس التوبة الصادقة.
حال المسلم بعد الحج وعلامات القبول الحقيقية
قالت وزارة الأوقاف: الحج ولادة للروح من ضيق الرسوم إلى سعة القبول، ولا حياة لمولود إلا بنفس التوبة الصادقة، فليكن مفتاح عهدك الجديد عزمة تصلح بها ما فسد من باطنك، وتتم بها ما نقص من شأنك؛ فالحق سبحانه ينادي: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:31].
وإن من قصر النظر، وحجاب الفهم عن الله سبحانه، أن تحسب المواسم محطات لتخفيف الأوزار ثم العودة للأكدار؛ فمن كان عبد الموسم انقطع بانقضائه، ومن كان عبد الرب استقام في سائر بقائه، فاجعل حجك ميقاتًا للتحول لا للترحال، تخرج به من ليل الغفلة والإعراض، إلى فجر المشاهدة والإقبال.
وإياك وخديعة النفس الأمارة، أن تركن إلى طاعة سلفت فتدبر، أو إلى توبة مضت فتنكص وتنتصر؛ فمن استروح بالرجوع إلى الذنب بعد القرب، فقد أضاع الطريق بعد كشف الحجب؛ فاستجب لنداء الأمان لتكون على الحق في كل أوان، وتسلح بالتقوى التي لا يقطعها الموت، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].
وقفات إيمانية في الشكر والافتقار لله تعالى
الوقفة الأولى: استشعار نعمة الحج وعظمة فضل الله
نتملى فيها منة المنان؛ فإنه لما رأى عظيم الذنوب وكثرة الخطايا، كساك حلل العطايا، وأذن لك بالوقوف باب ربوبيته لتأتي مستغفرًا، ويسر لك الوصول ليحط عنك ما أثقل كاهلك من أوزار، فسبحانه من إله لم يمنعه قبح فعلك من جميل فضله، ولا نأت بك الأوزار عن ساحة كرمه؛ فهو الأحد الصمد المنزه عن الصاحبة والولد، القائل في محكم التنزيل: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل:53]، والقائل سبحانه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:18].
الوقفة الثانية: كيف تكون إجابة العبد على فيض الإنعام؟
لا تكون إلا بشهود المنعم في النعمة، والإنابة إليه في كل لمحة؛ ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:60]. فالشكر ليس قولة لسان، بل هو انخطاف قلب بالشهود، وجوارح تتقيد في الطاعات بقيود؛ فتبتعد عن مواطن سخطه، لتسكن في ديار رضاه، تحقيقًا لقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:13] ولنا في سيد الخلق الأكرم ﷺ وقد ذابت قدماه هيبة، وهو المغفور له، فكان شكره حالًا يغني عن المقال حين قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" [البخاري:1130، ومسلم:2819].
الوقفة الثالثة: علامات الحج المبرور وأثره على حياة المسلم
للحج المبرور إشراق تظهر آثاره على مرآة البصيرة، وقد سئل الحسن البصري: ما الحج المبرور؟ فقال: أن تعود زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة [التبصرة لابن الجوزي: 2/263]، فالحج جذوة تلهب فيك حب الطاعة، وسد يمنع عنك سبل الإضاعة، فإذا عرّفتك المناسك بمقام الألوهية، فلا تبرح من مقام تشريف الله لك بمقام العبودية. أي حج لجسد طاف بالبيت وقلبه طائف بالشهوات؟ كيف يلبي في البقاع وهو يرتع في الآثام ويقطع الأرحام؟ بل الزم العهد واذكر قول المولى عز وجل: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:187].
الوقفة الرابعة: التقوى بعد الحج سر القبول والاستمرار في الطاعة
روح المناسك التقوى، وبها ترقى القلوب في مدارج العزيز الأقوى، لقوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:37]. فالحج تهذيب للأخلاق ليصفو العبد من كدر الرفث، ويكون في كل حال بعيدًا عن الفحش والبذاءة كما وصف سيدنا رسول الله ﷺ المؤمن الصادق، فالمطلوب منك وجه الاستقامة؛ وهي السداد بغير إقامة، فاستعن في تقصيرك بقوله ﷺ: "استقيموا، ولن تحصوا" [ابن ماجه:277، ومسند أحمد:22378] وقوله صلوات ربي وسلامه عليه: "سددوا وقاربوا" [البخاري:6463، ومسلم:2816].
الوقفة الخامسة: أهم علامة لقبول الحج الاستقامة لا مجرد العمل
ليكن همك في "من قبل" لا في "ما فعل"، فالعبرة بالقبول لا بمجرد العمل، لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:27]. فكم من واقف بالبدن وقلبه في الغفلات، وكم من مستغفر باللسان وهو طوي على الزلات؛ فاختم حجك بكسر النفس والافتقار والاستغفار، فإنه ختام طاعات الأبرار؛ لقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:199].
دروس الحج في تهذيب الأخلاق وتغيير السلوك
الحج ركن الوجود، والدين معاملة الملك المعبود، مع الخلائق الشهود، فمن لم تشرق أخلاقه في المعاملة؛ لم تصف أركانه في العبادة؛ وهكذا تستقي الفروع من الأصول: ففي الصلاة تجد نورًا يكف الجوارح عن عتمة الذنوب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:45]، فهي ترياق لنفوس أضناها الهلع، وقلوب حجبها الجزع عن مشاهَد المنح. وفي الزكاة طهارة للسر من دنس الشح، وتزكية للروح من ظلمة الطمع، وجسر محبة يمحو إحن الصدور: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:103]. وفي الصوم: خروج من سجن الهوى إلى رحاب التقوى، وغرس لجميل الصبر والإخلاص في تربة اليقين. وفي الحج: تجلي الحق بجمال الأدب: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:197]، فهو كير القلوب؛ يحرق خبث المعاصي ويبقي جوهر الإيمان خالصًا.
قال بعض أهل المشاهدة: "ثواب الحسنة حسنة تتلوها"، فما أجمل حال عبد رجع بقلب مجلو، ويقين مرضي، وخلق زكي؛ فالمحب لا ينقطع عن السير إلا بلقاء المحبوب؛ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:99].
بعد الحج رصيد من الأجر
إن حجك كنز مدخور ليوم النشور، والعمل ظاهر يفنى، والمعنى باطن يبقى في حضرة الحق؛ ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:96].
بعد الحج عيد المسلمين الأكبر
الأعياد في شرعة أهل القرب أفراح طاعة تتبعها طاعة؛ ففطرهم بعد الصوم، ونحرهم بعد النسك، ذكريات تصقل البصيرة، وتجدد في الأجيال عهود اليقين.
بعد الحج تواضع بلا افتخار
خلع الثياب المعتادة إشارة لخلع رداء الكبر، وتذكرة بالمساواة تحت قهر الربوبية، فدع فخر النسب، والتمس عز السبب بالانتماء لرب العباد: أبي الإسلام لا أب لي سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم
بعد الحج ذكر وشكر
رحل الموسم وبقي المنعم؛ فشكره حياة النعمة، وذكره حياة القلب، وقد نوديتم في أعقاب المنسك بطول اللهج به: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة:200] فكن ذاكرًا في كل تقلباتك: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:191].
الصبر بعد الحج
الحج رياضة النفوس على مر الصبر؛ صبرًا عن الهوى، وتحملًا للجفا بجميل العطاء، وقهر عداوة الشيطان بحسن البيان.
بعد الحج أخذ بالأسباب
سعيك بين الصفا والمروة درس في شهود المسبب عند فعل السبب؛ كما سعت هاجر فأنبع الله لها الفرج من تحت قدم اليقين، لا من كد اليدين.
بعد الحج عصيان الشيطان
رجمك للجمرات رمزية لرجم خواطر السوء؛ وتذكير بضعف كيد اللعين أمام قوة اليقين التي تجلت في خليل الله وإسماعيل عليهما السلام؛ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء:76].
بعد الحج الاستقامة
أمارة القبول شروق شمس الاستقامة؛ فمن نور قلبه بالطاعة لم يظلم بالعودة للمعصية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت:30].



