قد تأخذ الغفلة وتداعيات الحياة اليومية بالإنسان بعيدًا عن جوهرية وظيفته الكونية والتعبدية والروحية، فيسقط في فخ البراجماتية المادية، أو ظلامية العقلانية في شططها وغلوائها واستكبارها الإبليسي، أو في جمودها وانغلاقها عن التدبر الصحيح والوعي الرشيد والتنوير الحقيقي الذي يقودها إلى صراطها المستقيم عبادة لله واستخلافًا وعمارة في الأرض.
تجليات الغفلة
وتأتي أبرز تجليات تلك الغفلة في نظرة الإنسان للأحداث منفصلة عن دلالاتها، وللطقوس بمنأى عن مراميها ومعانيها، وللمشاهد الكونية مبعثرة متفرقة عن روابطها ووشائج إحكامها ومدارات تنظيمها ولطائف تنسيقها التي تربط بين بدايات الخلق ونهايات المصير، وبين الإنسان والملأ الأعلى الذي يحرك الوجود كله في دائرة واحدة هي دائرة العبودية لله الملك الأعظم.
ومن هنا تبرز أمامنا ثلاث من المشاهد المهيبة التي توقظ الوعي وتلهب الحس وتشعل الصحوة وتزيل الغفلة، إذ تنبهر أمامها العقول وتخشع لها النفوس، وتتصدع لها القلوب. وهذه المشاهد الثلاثة تلخص سطور مسيرة الإنسان في كتاب الوجود: سطر لبدايته، وسطر لحياته، وسطر لمصيره. كما قال شاعر المهجر: إنما الناس سطورٌ كُتبت لكن بماء.
فهذه المشاهد وإن اختلف الزمان والمقام فإنها تتشابه في الدلالات العميقة والمعاني الروحية الكبرى، لتبدو وكأنها حلقات متصلة في الرحلة الإنسانية من الخلق إلى الحساب.
أولًا: مشهد الخلق والبداية
وهو ليس مشهدًا واحدًا بل مشاهد عدة، إذ لم يكن خلق الله آدم عليه السلام مجرد خلق جديد لجسد طيني، وإنما كان إعلانًا إلهيًا عن ميلاد الكائن الروحاني المكلف الذي سيحمل أمانة الاستخلاف في الأرض، كما قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). ثم جاء المشهد المهيب: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ).
إنه مشهد كوني عظيم: يقف فيه آدم شامخًا منتصبًا بقامته الكبيرة جسدًا وبقيمته التكريمية المستمدة من نفخة الروح الإلهية تميزًا، وتصطف الملائكة صفوفًا هائلة انتظامًا وكثرة عدد غير محصورة، والكون كله ينتظر أمر الله. وعندما يأتي الأمر الإلهي الحاسم: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، فيقع السجود الجماعي امتثالًا وطاعة للأمر الإلهي، والحكمة أن الكرامة الحقيقية ليست من الطين، وإنما من النفخة الإلهية ومن العلم ومن التكليف.
وتقع كذلك أول معصية استكبارية من إبليس بعصيان الأمر الإلهي بالسجود لآدم، ومعها تتقرر العقوبة جزاء لها وفاقًا أن يكون رجيمًا مذءومًا مدحورًا ملعونًا، هو ومن تبعه وانساق لسلطانه في تزيين المعصية والفحشاء والمنكر والبغي والفساد والعدوان: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ).
دروس من مشهد الخلق
في هذا المشهد بيان استرشادي توجيهي تقريري لمعانٍ جليلة، منها:
- فردانية الله بسلطانه وقدرته وحاكميته في الكون: فالملائكة لم تسجد لآدم عبادةً بل خضوعًا لأمر الله وطاعته التي هي جوهر العبادة، مما يعني أن كل حركة في الكون ينبغي أن تكون استجابة لأمر الله لا لأهواء أحد من خلقه.
- علو الإنسان ورفعته لا تكون إلا بالطاعة: كما ارتفع آدم لا بجسده بل بروحه وعلمه واستعداده لتحمل الأمانة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
- العبودية الحقة لله هي الطاعة المطلقة والاستجابة الكاملة لأمره ونهيه: وبهذه الطاعة يقترن تكريم المكانة والدرجة الإنسانية عند الله وكذلك نعيم الثواب وجنة الخلد في دار السلام، كما يقترن بضد الطاعة مهانة المكانة والدرجة الإنسانية عند الله وكذلك سوء الخاتمة والمآل بجهنم وبئس المصير.
- الحذر من مصير إبليس وكذلك الحذر من عداوته المعلنة: في خطته للإيقاع ببني آدم في حبائله واقتيادهم إلى المعصية ومن ثم نفس مصيره في سوء العاقبة والعقوبة: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ).
ثانيًا: مشهد يوم عرفة
وفيه يسعى الإنسان للتشبه بالملائكة تجردًا من المادية وزخارف الدنيا، في صفوف مليونية تقف في صعيد واحد بثياب متشابهة بلا فوارق طبقية أو قومية أو سياسية، تطرح عنا التيجان والمناصب والسلطات والثروات. فلا صوت يعلو فوق صوت التسليم والخضوع والطاعة التامة رجاء حسن الخاتمة وطيب المآل: "لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك".
ولا تنفك في هذا المشهد الرابطة الوجودية العميقة بين الوقوف بعرفة وبين وقوف الملائكة بمشهد تكريم آدم، تلك الرابطة التي تمثلها العناصر التالية:
- حضور مبدأ العبودية والطاعة والامتثال: بأمر الحج لمن استطاع إليه سبيلا وتلبية ذلك الأمر قولًا (لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك) وعملًا، تأسيًا بالملائكة في تجردهم عن المادة وفي السعي للالتزام بالعبودية الشعائرية والروحانية. ذلك الحضور الذي يقابله الحضور الإبليسي كفيل المعصية، وهو في حالة من الغضب لسببين: الأول: إفلات هذه الملايين من العباد من طوق المعصية الذي تعهد أمام الله بإغوائهم للدخول فيه، والحيلولة دون إدراكهم أي سبيل إلى صراط الله المستقيم. الثاني: هذا التحدي الصارخ لسلطان إغوائه البشر الذي يأتي في صورة إعلان إرادي جماعي ومظهر وحدة واستقواء في مواجهة المعصية وإهانة كفيلها.
- محاولة الإنسان استعادة الوعي بحالته الصفائية الأولى: حالة قبول أمانة التكليف والتعهد بعمران الأرض. فإن كان آدم قد خرج إلى الأرض مجردًا من كل شيء إلا علاقته بالله، فكذلك الحاج قد انخلع من ثيابه المعتادة، وتتخفف من زينة الدنيا وزخرفها، ليعود إلى أصل الخلقة مؤكدًا أن الإنسان الحقيقي هو الإنسان قبل أن تفسده المكتسبات والشهوات.
- وحدة النظام الكوني بموجوداته أمام الله: فكما وقفت الملائكة صفوفًا حول آدم تجسيدًا للطاعة بتنفيذ أمر الله، يقف حجاج بيت الله صفوفًا متساوين أمام ربهم، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين أبيض وأسود، ولا بين راعٍ ورعية. إنها محاولة لإعادة تشكيل الوعي الإنساني على أساس العبودية وليس المكتسبات.
وإلى جانب تلك الرابطة الوثقى بين وقفة عرفات وبين مشهد الخلق الأول، فإن وقفة عرفات تمثل تدريبًا عمليًا على مشهد يوم القيامة كما سيأتي بيانه. فوقفة عرفة واسطة العقد بين المشهدين: محاكاة للمشهد الأول وتدريبًا وتمهيدًا وإعدادًا وزادًا لمشهد المصير الختامي يوم القيامة.
ثالثًا: مشهد الفزع الأكبر يوم القيامة
يوم ترى الناس سكارى وما هم بسكارى، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها. فالناس موقوفون رافعو الأيدي خائفون بائسون مشفقون على أنفسهم، راجون رحمة ربهم. وهو مشهد تدور حوله الحياة كلها منذ خلق آدم: (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ. يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ).
ففيه نهاية الكون والحياة على الأرض، وفيه إعادة بعث الموتى وقيامتهم كما قال تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). لكنه قيام وحياة مختلفة عن حياتهم الأولى، إذ يغيب صوت التجبر وضجيج الكبرياء والسلطان ووقاحة المعصية، فالكل خانع للملك الأعظم: (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا).
وحدة الموقف الوجودي في المشاهد الثلاثة
في هذا المشهد تتبدى كذلك وحدة الموقف الوجودي بالمشاهد الثلاثة:
- يقف الإنسان في حضرة الله مرة ثالثة: بدءًا من أبي البشرية آدم صاحب الوقفة الأولى عند بداية التكليف، مرورًا ببنيه من الحجاج أصحاب وقفة عرفات ومعهم من لم يدركوها أو لم يستطيعوها.
- التجرد الكامل من زخارف الدنيا: فكما خُلق آدم بلا زخارف وكما تجرد الحاج من الدنيا، فإن الميت يُبعث بلا متاع؛ لأن مضمون الرسالة الجوهرية واحد: أن الإنسان لا يلقى الله إلا على حقيقته المجردة.
- الخضوع لأمر الله: الملائكة خضعت بالسجود، والحجيج يخضعون بالتلبية، والخلائق تخضع بالصمت والخشوع. فالعبودية هي القانون الأعظم الذي يحكم السماوات والأرض.
- سقوط الفوارق البشرية: في حضرة الله تتلاشى الامتيازات المصطنعة التي كان أولها سقوط إبليس بكبرياء التعصب لامتياز أصله المتوهم، والحجيج تخلوا طواعية عن رموز التفاخر والتمايز، ويأتي الناس يوم القيامة لا ينفعهم مال ولا جاه ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. فلا معيار للتفاضل والتكريم إلا معيار التقوى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). ذلك المعيار بأبعاده النفسية والروحية التي تعالج أخطر أمراض الإنسان والإنسانية؛ كالكبر والغرور والتسلط والشهوانية واستحواز الدنيا على القلوب وتهميش الآخرة.
- تخاصم ثنائية الطاعة والمعصية: فلأول مرة تقع المصارحة البينة والتخاصم بين شركاء المعصية إبليس وأتباعه، إذ يرفض إبليس مماحكات أتباعه وذرائعهم بأنه هو قائدهم إلى المعصية بوسوسته الشيطانية، فيرد عليهم بخطبة تفنيدية داحضة لكل مزاعمهم تاركهم للمصير المظلم المشترك الذي يجمعه بهم في الآخرة كما جمعهم في الدنيا: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
الدلالات الحضارية والإنسانية
وإن تكن من دلالة حضارية وإنسانية وشعورية جامعة للمشاهد الثلاثة، فإنها استصغار النفس عند الوقوف بعرفة، وإدراك الهشاشة الذاتية عند تأمل أحوال القيامة وأحداثها، واليقين بارتباط التكريم الإنساني بالطاعة وليس بالعصيان والاستعلاء. حين يقف بعرفة يشعر بصغره، وحين يتأمل القيامة يدرك هشاشته، وحين يتذكر سجود الملائكة لآدم يفهم أن التكريم مرتبط بالطاعة لا بالاستعلاء.
وإن تكن من دلالة تربوية، فإنها دلالة وحدة الرسالة الإلهية في بناء الإنسان. فالإنسان بدأ رحلته واقفًا في حضرة الله، ويمارس أعظم عباداته واقفًا بين يدي الله، وسينتهي به المطاف واقفًا للحساب أمام ربه فردًا دون ولي أو شفيع يطاع إلا بإذن الله ممن يرضى لهم قولًا.
وما بين البداية والنهاية تبقى الحقيقة الكبرى أن النجاة والتكريم عند الله لا يكون إلا بتحقيق مقام العبودية، ومفتاحه الطاعة وإخلاص العبودية لله وحده بالوقوف الحقيقي: وقوف الجسد والقلب معًا خشوعًا لله رب العالمين لا شريك له.



