18 تجمعاً تنموياً في سيناء: حيث يلتقي أبناء الدلتا مع أهل الصحراء تحت ظلال الزيتون
18 تجمعاً تنموياً في سيناء: لقاء الدلتا والصحراء تحت الزيتون (18.03.2026)

سيناء تتحول إلى جنة خضراء: 18 تجمعاً تنموياً تذيب الفوارق بين أبناء الوطن

لم تعد سيناء مجرد شبه جزيرة ترتبط في الأذهان بالصراعات أو السياحة الشاطئية التقليدية، بل أصبحت خلال الأعوام الأخيرة وجهة للباحثين عن فرص جديدة، حيث تتحول الرمال الصفراء إلى مساحات خضراء واعدة تحت ظلال أشجار الزيتون الممتدة.

رحلة إلى قلب التنمية: تجمع النثيلة نموذجاً

تبدأ الرحلة عبر أنفاق المستقبل التي أنشأتها الدولة، بما في ذلك نفق الشهيد أحمد حمدي وخمسة أنفاق أخرى، لربط سيناء بباقي أنحاء مصر بسلاسة. بعد اجتياز الارتكازات الأمنية والانغماس في عمق الطريق نحو وسط سيناء، يتبدل المشهد تدريجياً ليحل الهدوء محل الزحام.

على طريق نِخل، الذي يمتد كشريان حياة وسط الجبال الصخرية المهيبة، تقطع السيارة مسافة تقارب 150 كيلومتراً من السويس، حتى تظهر ملامح تجمع النثيلة التنموي كواحة غناء وسط الصحراء. هذا التجمع هو واحد من 18 نقطة وتجمعاً تنموياً رئيسياً منتشراً في شمال وجنوب سيناء.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مشهد يخطف الألباب: بيوت ومساحات خضراء تعلن سيادة جديدة

المشهد في النثيلة يخطف الألباب حقاً؛ حيث تصطف بيوت ريفية ذات طابع موحد بكبرياء، وتنتشر مساحات خضراء من شجر الزيتون والشعير التي بدأت تشق طريقها فوق الرمال، معلنة أن السيادة الحقيقية على الأرض تتحقق عندما يتعاون أبناء الوادي مع أبناء سيناء لزراعة مستقبل مصر.

يتم كل هذا تحت الإشراف المباشر للقوات المسلحة المصرية، وبالتعاون الوثيق مع وزارتي الزراعة واستصلاح الأراضي، والموارد المائية والري، بالإضافة إلى مختلف الجهات المعنية بالدولة.

قصص نجاح: من الدلتا إلى أرض الفيروز

في قلب الصحراء التي تكتسي باللون الأخضر، تلتقي وجوه حفرت الغربة ملامحها، لكنها غربة من نوع خاص؛ غربة داخل الوطن من أجل الوطن، بحثاً عن حياة أفضل للأفراد وأبنائهم. هنا، نلتقي بعبدالغفار رزق الشربيني عيد، القادم من كفر الشيخ، وهو يمسح حبات العرق عن جبينه أثناء تفقده شجيرات الزيتون.

عبدالغفار هو واحد من مئات الأسر التي قررت حزم أمتعتها من الدلتا والوادي لتبدأ حياة جديدة في قلب سيناء منذ عام 2022. وصل عدد هذه الأسر إلى نحو 2122 أسرة من أبناء محافظات الوادي والدلتا، الذين انتقلوا للحياة بشكل دائم في أرض الفيروز خلال الأعوام الأربعة الماضية.

يروي عبدالغفار قصته قائلاً: "نحن هنا منذ عام 2022، جئت من كفر الشيخ، وتحديداً من مركز الحامول، لتسلّم قطعة أرض ومنزل في تجمع النثيلة التنموي. المشروع قدم لنا فرصة لم نكن نحلم بها في الدلتا المزدحمة".

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تفاصيل المشروع: منازل وأراضٍ وخدمات متكاملة

يعمل المشروع على تسليم كل منتفع وأسرته منزلاً مساحته 200 متر مربع، يتكون من 4 غرف ومضيفة منفصلة لاستقبال الضيوف، بالإضافة إلى مساحة مفتوحة لتربية الطيور أو الماشية. كما يتم توفير 5 فدادين كاملة من الأراضي الزراعية.

يتم إنشاء محطات رفع وتنقية المياه لتوفير مياه الشرب والزراعة باستخدام أنظمة الري الحديثة التي تستغل المياه الجوفية المتاحة في المنطقة. يقول عبدالغفار: "النظام ميسر والهدف هو تعمير الأرض وليس مجرد البيع والشراء".

ويوضح أن التكلفة على المنتفعين تبلغ 200 ألف جنيه مقدم، مع دفع 100 ألف جنيه سنوياً على مدار 10 أعوام بعد منح فترة سماح لبيع المحصول، مؤكداً أن هذه القيمة تمثل 40% فقط من التكلفة الفعلية التي تتحملها الدولة دعماً لتوطين المواطنين في سيناء.

حياة جديدة تدب في التجمعات التنموية

بدأت الحياة تدب بالفعل في هذه التجمعات؛ حيث افتتح بعض السكان محلات سوبر ماركت، بينما تقوم سيدات أخريات بخبز وبيع العيش، وغيرها من الأنشطة الاقتصادية البسيطة. يقول عبدالغفار: "على الرغم من قدوم المنتفعين من محافظات مختلفة، فإننا نشعر الآن أننا 'أهل وعزوة'".

أما عن مصادر الدخل، فيعتمد المزارعون على الذكاء في استغلال الموارد؛ حيث يعد الزيتون المحصول الأساسي لملاءمته للبيئة السيناوية، لكنهم لا يقتصرون عليه. يضيف عبدالغفار: "نُحمل على الزيتون محاصيل أخرى؛ فنزرع القمح والشعير، والثوم والبصل، وفي الصيف نزرع البطيخ والأناناس".

جيل جديد من المزارعين: من ميت غمر إلى سيناء

على مقربة من قطعة عبدالغفار، نلتقي بالحاج عبدالهادي صلاح عبدالهادي، ابن مدينة ميت غمر بمحافظة الدقهلية، الذي يمثل الجيل الجديد من المزارعين الذين تسلموا أراضيهم في تجمع النثيلة عام 2021.

عند سؤاله عن سبب انتقاله من الدلتا إلى سيناء، أجاب بابتسامة واثقة: "الدلتا ضاقت بنا، ففي ميت غمر، قد تعيش طوال عمرك في شقة ورثتها عن والدك، لكن هنا أمتلك بيتاً مستقلاً وقطعة أرض واسعة تؤمن مستقبلي ومستقبل أولادي".

خدمات التعليم والصحة: ركائز الاستقرار

عن الخدمات المقدمة، يقول عبدالهادي: "المدارس موجودة وتعمل، وهذا كان أهم شيء لضمان استقرار أطفالنا. أما بالنسبة للخدمات الصحية، فهناك وحدة صحية في منطقة النثيلة القديمة بالقرب منا، وتأتي لنا قوافل صحية دورية".

يشار إلى أن الدولة تستهدف من خلال هذه المشروعات توطين نحو 8 ملايين مصري ومصرية على مساحة أرض سيناء، في إطار سياسة جديدة تنتهجها لزرع شبه الجزيرة بالبشر، عبر توفير مصادر رزق مستدامة والخدمات الأساسية التي تحتاجها الأسر.