في خطوة مفاجئة تعكس تحولات عميقة في خريطة الطاقة العالمية، أعلنت الإمارات العربية المتحدة انسحابها من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وتحالف أوبك+، بعد ما يقرب من ستة عقود من العضوية. القرار أثار جدلًا واسعًا حول مستقبل التحالف النفطي وقدرته على الحفاظ على تماسكه في ظل المتغيرات المتسارعة.
تحول استراتيجي في إدارة سوق الطاقة
قال الدكتور علي الإدريسي، أستاذ الاقتصاد الدولي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، إن خروج الإمارات من أوبك لا يمكن اعتباره مجرد خطوة فنية داخل سوق النفط، بل يعكس تحولًا استراتيجيًا واضحًا في طريقة إدارة سوق الطاقة عالميًا، ويشير إلى تغير ملحوظ في أولويات بعض كبار المنتجين خلال المرحلة الراهنة.
وأضاف الإدريسي أن منظمة أوبك لعبت على مدار عقود دور “منظم السوق” من خلال التحكم في مستويات الإنتاج لتحقيق التوازن بين العرض والطلب والحفاظ على استقرار الأسعار. إلا أن قرار الإمارات بالخروج يعكس رغبة متزايدة لدى بعض الدول في التحرر من قيود الحصص الإنتاجية، خاصة في ظل امتلاكها طاقات إنتاجية غير مستغلة، إلى جانب استثمارات ضخمة تسعى لتعظيم عوائدها في أسرع وقت.
سيناريوهات متوقعة بعد الانسحاب
أشار الإدريسي إلى أن السيناريو الأقرب على المدى القصير يتمثل في اتجاه الإمارات إلى زيادة إنتاجها النفطي خارج إطار الحصص، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع المعروض العالمي، خاصة إذا تزامن مع ظروف جيوسياسية تدفع دولًا أخرى لتعويض أي نقص في الإمدادات. وأوضح أن هذا الوضع قد يفرض ضغوطًا على الأسعار، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث انهيار، في ظل استمرار تأثير عوامل أخرى مثل التوترات في مضيق هرمز والاضطرابات الجيوسياسية.
وبيّن أن هناك سيناريو آخر يتعلق بتأثير هذه الخطوة على تماسك أوبك، حيث قد يشجع خروج الإمارات دولًا أخرى على إعادة النظر في التزاماتها، خاصة إذا رأت أن القيود الحالية تحد من قدرتها على تحقيق أقصى استفادة من مواردها. وهذا قد يضعف من قدرة المنظمة على إدارة السوق بشكل جماعي، ويحولها تدريجيًا إلى كيان تنسيقي محدود التأثير.
وتابع أن السيناريو الثالث يرتبط بإعادة تشكيل تحالف أوبك+، مؤكدًا أن خروج الإمارات قد يعيد توزيع موازين القوة داخل هذا التحالف، ويمنح بعض الأطراف، وعلى رأسها روسيا، دورًا أكبر في تحديد سياسات الإنتاج، أو يدفع نحو إعادة صياغة آليات التعاون بما يتماشى مع المتغيرات الجديدة في السوق.
إعادة تموضع الإمارات في سوق الطاقة
واختتم الإدريسي تصريحاته بالإشارة إلى أن هناك سيناريو رابع لا يقل أهمية، يتمثل في سعي الإمارات لإعادة تموضعها في سوق الطاقة العالمي كدولة مرنة قادرة على التكيف مع التحولات، سواء في قطاع النفط أو الطاقة النظيفة. لافتًا إلى أن القرار قد يكون جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على التنسيق الجماعي.
وأكد أن القرار، رغم أهميته، لن يؤدي بمفرده إلى تغييرات حادة وفورية في أسعار النفط، نظرًا لتعقيد العوامل المؤثرة في السوق، مثل الطلب العالمي والسياسات النقدية والتوترات الجيوسياسية. لكنه قد يسهم على المدى المتوسط في زيادة تقلبات الأسعار نتيجة تراجع الانضباط داخل أوبك.



