أزمة الطاقة تكشف هشاشة الإمدادات ومضيق هرمز في قلب العاصفة
أزمة الطاقة تكشف هشاشة الإمدادات ومضيق هرمز

كشفت أزمة الطاقة الراهنة عن هشاشة التوازنات التي يقوم عليها أمن الطاقة العالمي. فعقب الأزمة الأخيرة بين إيران وكل من إسرائيل وأمريكا، شهد العالم كله تأثير هذه التوترات على أسعار الطاقة وتوفرها، حيث تتداخل العوامل الجيوسياسية مع التحديات الاقتصادية لتنتج مشهداً شديد التعقيد. وبالرغم من سعي العالم كله نحو تأمين احتياجاته من مزيج الطاقة بمختلف أشكالها، يظل الرهان الحقيقي على بناء منظومة طاقة أكثر تنوعاً واستدامة، قادرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية، وهو ما يفرض إعادة النظر في سياسات الاعتماد ومصادر الإمداد قبل أن تتفاقم الأزمة.

ارتفاع أسعار النفط وتأثيرات الأزمة

واجه سوق الطاقة العالمي حالياً أزمة كبيرة انعكست على شكل ارتفاع ملحوظ بأسعار النفط. فعلى سبيل المثال، وصلت أسعار خام غرب تكساس في 20 مارس 2026 إلى 98.32 دولار للبرميل لعقود شهر مايو، وهو ما يمثل ارتفاعاً بأكثر من 42% عن الفترة نفسها من العام الماضي عندما تم تداول النفط عند أقل من 70 دولاراً للبرميل. أما الأسعار الفورية فوصلت إلى 120 دولاراً للبرميل لخام برنت مقارنة بأسعار 67 دولاراً للبرميل قبل بدء الأزمة. وتشير التوقعات إلى أن الآثار الاقتصادية للصراع ستستمر لأشهر، وربما لسنوات، ولن تنتهي بمجرد انتهاء الحرب.

ارتفعت أسعار النفط بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية في أواخر فبراير، حيث ارتفع خام برنت بأكثر من 50% مقارنة بمتوسط يناير، مع تجاوز وقود الطائرات للنفط الخام، حيث ارتفع وقود الطائرات في ساحل الخليج الأمريكي بنحو 90% مقارنة بمتوسط يناير. ويعد صعود أسعار الطاقة وتعطيل سلاسل الإمداد والتوريد التحدي الأكبر عالمياً.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مضيق هرمز في قلب الأزمة

وفق منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول «أوابك»، يعود العامل الرئيسي وراء هذا الارتفاع إلى اضطراب الإمداد نتيجة الحد من حرية الملاحة في مضيق هرمز بعد التصعيدات العسكرية في منطقة الخليج العربي. وكان لذلك أثر مباشر انعكس على الأسواق، إذ يعد المضيق أهم شريان طاقة في العالم، حيث يمر عبره حوالي 15 مليون برميل من النفط في اليوم، علاوة على 5 ملايين برميل يومياً من المشتقات والغاز الطبيعي المسال. وبرز تأثير هذا الاضطراب بشكل خاص على الأسواق الآسيوية، حيث يمثل المصدر الرئيسي لدول مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية التي تستورد 75% من احتياجاتها من النفط و59% من احتياجاتها من الغاز المسال عبر المضيق.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية في 7 مارس 2026 أنها قامت بتنفيذ خفض احترازي في إنتاج النفط الخام وتكريره كجزء من استراتيجيتها لإدارة المخاطر واستمرارية الأعمال، وذلك كإجراء احترازي بحيث ستتم مراجعته مع تطور الأوضاع. علاوة على ذلك، اضطرت شركة قطر للطاقة، وهي إحدى أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى إعلان حالة القوة القاهرة على عدة شحنات في أوائل مارس 2026، مما أدى إلى رفع أسعار الغاز في أوروبا وآسيا إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023.

تصريحات الخبراء حول تداعيات الأزمة

أكد المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق ورئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، أن العالم حالياً يمر بأزمة طاقة قد تكون الأكبر والأخطر في العصر الحديث، مشيراً إلى أن الحرب الحالية تجاوزت في خسائرها وتقلباتها أي أزمات سابقة، بما في ذلك الحروب القصيرة التي شهدها التاريخ. كما أن سلاسل الإمداد العالمية تعاني من ارتباك شديد، حيث تحتاج شحنات الغاز القادمة من الخليج إلى فترات طويلة للوصول، مما أدى إلى توقف عجلة الاقتصاد في مناطق واسعة من العالم.

وكشف «كمال» عن وجود أضرار بالغة لحقت ببعض المنشآت والحقول النفطية في منطقة الخليج وإيران، مؤكداً أن عودة هذه المنشآت للعمل بكامل طاقتها قد تستغرق ما بين 3 إلى 7 سنوات، نظراً لتعقيدات عمليات البحث والتنقيب وتوريد المعدات. وأشار إلى أن خروج نحو 10 إلى 15 مليون برميل نفط من حسابات السوق العالمية أدى إلى عجز واضح في المعروض، مما دفع الأسعار للارتفاع بشكل مباشر. ولفت «كمال» إلى أن الأزمة لم تقتصر على النفط والغاز فقط، بل امتدت لتشمل قطاع الأسمدة، حيث قفزت أسعار «اليوريا» من 250 دولاراً للطن إلى أكثر من 700 دولار نتيجة ارتفاع أسعار الغاز المسال، وهو ما يلقي بظلاله على سلاسل إمداد الغذاء عالمياً.

دروس مستفادة وتوصيات استراتيجية

أثبتت الأزمة الحالية التي يمر بها العالم أن التكنولوجيا المتقدمة ومحاولة التحول الأخضر لم تقللا من الارتباط العضوي للاقتصاد العالمي بالممرات المائية التقليدية، مما يبرز أهمية توطين سلاسل الإمداد، مع ضرورة الدراسة الفعلية للاستثمار في زيادة سعة خطوط الأنابيب العابرة للقارات (مثل خط أنابيب شرق غرب في السعودية لتقليل الاعتماد المطلق على مضيق هرمز)، وضرورة دراسة إمكانية تكامل تخزين النفط والمشتقات النفطية بين الدول العربية، وذلك كخطوة استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة الإقليمي عبر شبكة تخزين مرنة تواجه تقلبات الأسواق العالمية أو الأزمات الجيوسياسية. ويمكن أن يسهم ذلك في خفض التكاليف التشغيلية من خلال توزيع المخزون جغرافياً وتجنب بناء مرافق تخزين ضخمة ومنفردة لكل دولة، مما يتيح استغلال الفائض لدى بعض الدول لسد العجز لدى أخرى. كما أن وجود منظومة تخزين مشتركة يسهل عمليات التبادل التجاري النفطي بين الدول العربية، ويعزز من قدرتها التنافسية ككتلة اقتصادية واحدة في السوق العالمية.

وأوضحت الأزمة أن دولاً مثل الصين والهند سوف تعمل على زيادة مخزوناتها الاستراتيجية في كل فرصة متاحة لضمان استمرار تدفق النفط حتى في ظل القيود البيئية. وربما يجب على دول الشمال التوقف عن الضغط لتقييد تمويل الوقود الأحفوري في الدول النامية، والتركيز بدلاً من ذلك على تمويل تقنيات اصطياد وتخزين الكربون لضمان نمو اقتصادي منخفض الكربون دون التسبب في فقر طاقي، إذ يتبين بوضوح أن محاولات فك الارتباط بين نمو الناتج المحلي الإجمالي واستهلاك الطاقة غير ذات جدوى، حيث تظهر البيانات الفعلية أن كل زيادة في الناتج المحلي العالمي لا تزال تتطلب زيادة موازية في استهلاك الوقود الفعلي.

ويتجلى من ذلك أهمية الدور الحيوي للدول في قيادة خطاب دولي يرتكز على رفض الفقر الطاقي، انطلاقاً من مبدأ عدم إنصاف المطالبات التي تدعو الدول النامية لوقف تمويل الوقود الأحفوري بمعزل عن توفير بدائل تقنية ومالية ملموسة، وهو ما ينسجم تماماً مع رؤية التحول العادل والمدروس للطاقة الذي يوازن بين الطموحات البيئية والحق في التنمية.