لم تكن اللحمة حلمًا بعيد المنال مثل هذه الأيام. الأرقام مفزعة؛ فقد تجاوز سعر الكيلو جرام من اللحم الضاني قبيل حلول عيد الأضحى ستمائة جنيه، فيما قفز سعر كيلو اللحم الجملي إلى أربعمائة جنيه، ووصل سعر كيلو الكبدة الجملي -أبرز طقوس اليوم الأول- إلى ألف جنيه. أسرة صغيرة من أربعة أفراد تحتاج إلى ما لا يقل عن ثلاثة آلاف جنيه؛ حتى تعبر أيام العيد دون مشاكل.
تراجع استهلاك اللحوم
أسعار اللحوم لم تعد -تحت الرعاية الحكيمة لحكومات الدكتور مصطفى مدبولي- في متناول معظم المصريين، وإن ظلت في مستوى السادة اللاجئين والقادمين إلى أراضيها من كل فج عميق. في السلاسل التجارية، ستجد الأماكن المخصصة لبيع اللحوم البلدي مُحاصرة باللاجئين الذين يشترون بكميات كبيرة، فيما ينصرف المصريون -على استحياء- إلى ستاندات اللحوم المجمدة؛ لشراء كميات محدودة تكفي الغرض بالكاد؛ باعتبارها الأدنى سعرًا، وإن اختلف سعرها كثيرًا عما كانت عليه من سنوات قليلة، فقد قفز سعر كيلو اللحم المجمد إلى أكثر من 350 جنيهًا.
اللحوم الحمراء تعد مصدرًا غذائيًا غنيًا بالبروتينات الكاملة والحديد سهل الامتصاص، وفيتامين ب 12، وتسهم بشكل أساسي في بناء العضلات ودعم الجهاز العصبي والوقاية من فقر الدم (الأنيميا)، ودعم الجهاز المناعي. قد يتخفف الكبار من أكل اللحوم، ويكتفون بالنظر إليها عند القصابين، مكتفين بالماضي الجميل؛ تحت سطوة الغلاء الفاحش، ولكن ماذا عساهم أن يفعل الصغار، مَن يُقنعهم بأنَّ الأرقام مفزعة؟!
الفجوة الغذائية تتسع
ولأنَّ الأرقام مفزعة؛ فإنَّ استهلاك المصريين من اللحوم الحمراء خلال حقبة رئيس الحكومة الدكتور مصطفى مدبولي الممتدة، شهدت تراجعًا بوتيرة مستمرة، في ظل ارتفاع أسعارها لمستويات قياسية، حتى بات استهلاك الفرد الواحد سنويًا 9 كيلو جرامات، ما يعادل 750 جراما شهريًا، وهذه حصيلة مرشحة للتراجع أكثر وأكثر، فيما يستهلك الفرد على مستوى العالم أكثر من 41 كيلو جرامًا سنويًّا. اللاجئون المقيمون في مصر يستهلكون أكثر من هذا الرقم!
ولأنَّ الأرقام مفزعة؛ فإن أسعار اللحوم الحمراء تطورت من مستوى 35 جنيهًا في عام 2005 إلى 40 جنيهًا في عام 2008، ثم 50 جنيهًا في عام 2010، قبل أن تكسر حاجز ستمائة جنيه قبيل حلول عيد الأضحى بارتفاع يتجاوز أكثر من 1200% في الفترة ما بين (2010ـ 2026).
ولأنَّ الأرقام مفزعة؛ فإنَّ إحصائية رسمية صادرة عن المجلس المصري لبحوث الرأي العام "بصيرة"، تكشف انخفاض استهلاك المصريين من اللحوم الحمراء من 18 طنًّا، لكل ألف من السكان عام 2018 إلى 9 أطنان لكل ألف من السكان في عام 2022، فيما تم حجب نشر هذه الإحصائيات منذ ذلك التاريخ؛ ربما لأنَّ الأرقام مفزعة وكاشفة!
ولأنَّ الأرقام مفزعة؛ فإنَّ الحكومة -التي رفعت يدها عن الأسواق- يبدو أنها تجهل أن هناك علاقة عكسية بين سعر اللحوم الحمراء بالأسعار الحقيقية ومتوسط استهلاك الفرد من اللحوم، فزيادة سعر الكيلو جرام بنحو 10٪ يؤدي إلى انخفاض الطلب عليها بنسبة 5.8٪ والعكس صحيح، ما يشير إلى أن الطلب على اللحوم الحمراء طلب غير مرن.
استيراد اللحوم والأعلاف
ولأنَّ الأرقام مفزعة؛ فإن الفجوة الغذائية من اللحوم واسعة؛ فبينما قُدرت بـ 278 ألف طن عام 2005، فإنها قفزت إلى 440 ألف طن عام 2019، بنسبة 58.27 %، ومن المؤكد أن هذه النسبة تعاظمت في السنوات التالية، في ظل عدم قدرة الإنتاج المحلى على مواجهة الاحتياجات الاستهلاكية بالقدر الكافي، ولكنها محجوبة!
ولأنَّ الأرقام مفزعة؛ فإنَّ مصر تستورد أكثر من 60% من احتياجات السوق من اللحوم من الخارج، سواءً من مجمدات أو لحوم حية، حيث يتم استيراد اللحوم الحية من البرازيل وإسبانيا، والمجمدة من الهند والبرازيل، حسبما أعلن رئيس الحكومة مؤخرًا، كما تعتمد أيضًا على الخارج في استيراد الأعلاف ومكوناتها، ما يجعل الأسعار المحلية شديدة الارتباط بالأسواق العالمية وسعر الجنيه أمام الدولار، وهذا بدا واضحًا منذ 2018. ولأنَّ الأرقام مفزعة، والفجوة واسعة، والأجور محلك سر، والجنيه في تراجع، والدولار في تصاعد، والإنتاج في تكاسل.. فإن الأمر قد يتطلب تدخلًا إفتائيًا وخطبًا منبرية بأن المداومة على أكل اللحوم، أو تمني أكلها، أو الغضب من ارتفاع سعرها، من الموبقات والكبائر التي تتطلب الاستتابة!



