أكد عدد من خبراء الاقتصاد أن «وثيقة سياسة ملكية الدولة» تمثل توجهات الحكومة بشأن إدارة الأصول العامة وتحديد دورها داخل الاقتصاد، خاصة فيما يتعلق بالتخارج من عدد من القطاعات والشركات وإتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص، بما يمهد الطريق لرفع مساهمة القطاع الخاص إلى 65% من النشاط الاقتصادي. وشددوا على أن نجاح الوثيقة يعتمد على الالتزام بالشفافية والإفصاح المستمر، وتفعيل الحوكمة، وضمان تكافؤ الفرص.
اجتماع المجموعة الاقتصادية
وخلال اجتماع المجموعة الاقتصادية الأخير، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، تم استعراض ملف وثيقة سياسة ملكية الدولة، والتأكيد على استمرار جميع السياسات الداعمة لتمكين القطاع الخاص، وزيادة مساهمته في النشاط الاقتصادي. وأكد المستشار محمد الحمصاني، المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، أن الحكومة تمضي بنجاح في تنفيذ مستهدفات برنامج الإصلاح الاقتصادي، لا سيما ما يتعلق بزيادة مساهمة القطاع الخاص.
تحديث الوثيقة
واستعرض الدكتور أسامة الجوهري، مساعد رئيس الوزراء ورئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، مستجدات مسار تحديث وثيقة سياسة ملكية الدولة، مشيراً إلى أنه بعد عرض الوثيقة المحدَّثة على المجموعة الوزارية الاقتصادية، تم إدخال عدد من الملاحظات على النسخة المحدَّثة في شهر مايو الجاري. وتضمنت هذه الملاحظات التركيز على صياغة رؤية واضحة لدور الدولة المستقبلي عبر مختلف القطاعات، لا سيما فيما يتعلق بالتخارج أو الاستمرار أو الشراكة، وتتبُّع ملاحظات المستثمرين ضمن إطار المتابعة والتقييم، بما يوفر رؤى مهمة لتحسين البرنامج بشكل مستمر. كما تضمنت الملاحظات تعزيز الوثيقة بالعديد من الجوانب الاجتماعية والبيئية والمناخية الإيجابية، جنباً إلى جنب مع إنشاء آلية منظمة للتشاور مع أصحاب المصلحة ووجود آلية لتلقي ومعالجة الشكاوى، فضلاً عن إشراك أصحاب المصلحة بشكل منظم، لا سيما المستثمرين والممولين.
آراء الخبراء
بدوره، قال محمد محمود عبدالرحيم، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، إن التعديلات الخاصة بوثيقة سياسة ملكية الدولة تمثل توجهات الحكومة بشأن إدارة الأصول العامة، وتحديد دورها داخل الاقتصاد، خاصة فيما يتعلق بالتخارج من عدد من القطاعات وإتاحة مساحة أكبر للقطاع الخاص، مشيراً إلى أن هذه الوثيقة تأتي في سياق تزايد دور الدولة في النشاط الاقتصادي خلال السنوات الماضية. وأشار إلى توقعاته بوجود طروحات حكومية قوية في البورصة المصرية خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل التصريحات الرسمية الأخيرة وتعديلات الوثيقة، ورغم أن هذا الملف شهد سابقاً وعوداً أكثر من التنفيذ، فإنه يرى أن المرحلة القادمة قد تشهد تحركاً فعلياً، موضحاً أن هذه الطروحات ستحقق عدة أهداف في آن واحد، منها تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي وتنشيط حركة التداول في البورصة المصرية، فضلاً عن جذب شرائح جديدة من المستثمرين بأحجام استثمار مختلفة، وتوجيه رسالة واضحة بشأن جدية الدولة في دعم القطاع الخاص والتخارج التدريجي.
كما أكد أن منح القطاع الخاص مساحة أكبر للعمل، وتقليل القيود البيروقراطية، وتعزيز المرونة في السوق، سينعكس بشكل إيجابي على مؤشرات الاقتصاد الكلي، بما يشمل النمو الاقتصادي، وزيادة فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة، والمساهمة في مكافحة التضخم، مشدداً على ضرورة أن تخضع وثيقة ملكية الدولة لمراجعة دورية مستمرة، بحيث يتم تقييمها بشكل منتظم، خاصة في حال حدوث أي تعديلات جوهرية، مع أهمية مناقشتها ودراستها بشكل موسع. وشدد الخبير الاقتصادي أيضاً على أهمية نموذج الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، مستشهداً بتجربة صندوق مصر السيادي، الذي يقدم نموذجاً فعالاً في تنفيذ مشروعات استثمارية مشتركة، موضحاً أن هذا النموذج يسهم في تعزيز الاستدامة المالية، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتوسيع نطاق التنمية، سواء من حيث الجودة أو الانتشار الجغرافي.
وأكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع أن نجاح وثيقة سياسة ملكية الدولة يعتمد على الالتزام بالشفافية والإفصاح المستمر، وتفعيل الحوكمة، وضمان تكافؤ الفرص، بما يعزز ثقة المستثمرين ويدعم بناء اقتصاد قوي ومستدام قادر على تحقيق التنمية الشاملة.
رأي خبير اقتصادي آخر
من جانبه، أوضح بلال شعيب، الخبير الاقتصادي، أن وثيقة سياسة ملكية الدولة تستهدف تحقيق توازن بين استمرار الدولة في إدارة بعض الأصول والتخارج الجزئي من أخرى، في ظل التحديات التي واجهت شركات القطاع العام، مثل ضعف الإدارة وتكبُّد بعض الخسائر، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على تطوير الإدارة داخل هذه الشركات وتوسيع أنشطتها، خاصة في التسويق، مع التوجه لنماذج الأعمال بين الشركات (B2B) والشراكات مع القطاع الخاص، ضمن خطة تهدف لرفع مساهمة القطاع الخاص إلى ما بين 60% و65% من الاقتصاد، مما يتطلب تخارجاً جزئياً من بعض الأنشطة.
أكد «شعيب» أنه في الوقت نفسه تسعى الدولة إلى تحقيق أعلى ربحية ممكنة من الأصول المملوكة لها، خاصة في قطاعات مثل الصناعات الغذائية والبتروكيماويات وغيرها، وهو ما يتطلب العمل على تعظيم قيمة هذه الأصول، موضحاً أن الدولة تستهدف تعزيز قيمة الأصول التي تمتلكها من خلال تطبيق الحوكمة، وإعادة الهيكلة الإدارية والتنظيمية، ورفع كفاءة الشركات وقدرتها على النمو داخل السوق، وبعد تنفيذ هذه الإجراءات، يتم طرح هذه الشركات أمام القطاع الخاص بعد إعادة تأهيلها، وهو ما يسهم في زيادة قيمتها السوقية.
وأشار «شعيب» إلى أن هذه الخطوات تنعكس بشكل إيجابي على قيمة الصفقات، بما يعود بالنفع على الموازنة العامة للدولة، خاصة أن الدولة تستهدف توجيه جزء من حصيلة بيع هذه الشركات لسداد الدين العام، وتحسين إدارة الديون، وتقليل حجمها، موضحاً أن وثيقة سياسة ملكية الدولة تسهم بشكل مباشر في جذب الاستثمارات، سواء المحلية أو الأجنبية، لأنها تعطي انطباعاً بأن الدولة تنظر إلى القطاع الخاص كشريك استراتيجي في التنمية الاقتصادية، وليس كمنافس.
وقال «شعيب» إنه تم إلغاء المعاملات التفضلية لشركات قطاع الأعمال العام في المناقصات، بما يحقق منافسة عادلة مع القطاع الخاص، حيث أصبح تقييم العروض يعتمد على الكفاءة الفنية والمالية فقط دون تمييز، بما يعزز الشفافية وتكافؤ الفرص، موضحاً أن التعاون بين الدولة والقطاع الخاص لا يقتصر على بيع الأصول فقط، بل يشمل الشراكة مع مستثمرين محليين أو أجانب، أو الاحتفاظ بملكية الدولة مع إسناد الإدارة لجهات متخصصة لتحقيق عائد أفضل، مشيراً إلى تجارب ناجحة مثل تطوير سلاسل الهايبر ماركت، مؤكداً أن إعادة الهيكلة والشراكة وطرح الشركات في البورصة تعزز كفاءة الأصول وتدعم نمو الاقتصاد المصري.



