اغتيال الإمام يحيى حميد الدين: الرصاصة التي غيرت مسار الحكم في اليمن الحديث
في مثل هذا اليوم من عام 1948، شهد اليمن حادثة اغتيال مروعة أطاحت بالإمام يحيى حميد الدين، حاكم المملكة المتوكلية اليمنية، في حدث تاريخي شكل نقطة تحول بارزة في المسار السياسي للبلاد، ولا يزال صداه يتردد حتى اليوم كأحد أبرز المحطات المفصلية في تاريخ اليمن الحديث.
من هو الإمام يحيى حميد الدين؟
وُلد الإمام يحيى بن محمد حميد الدين عام 1869 في بيئة دينية حاكمة، حيث نشأ في إطار التعليم الديني الزيدي، وتدرج في مواقع النفوذ خلال فترة الصراع المعقد مع الدولة العثمانية التي كانت تبسط سيطرتها على أجزاء من اليمن. وبعد انسحاب العثمانيين عقب الحرب العالمية الأولى، أعلن قيام المملكة المتوكلية اليمنية عام 1918، وتولى حكم البلاد إمامًا وملكًا، لتبدأ فترة حكمه التي امتدت ثلاثة عقود كاملة.
خلال هذه الفترة الطويلة، عمل الإمام يحيى على تثبيت سلطة الدولة المركزية في مناطق قبلية متعددة ومتناثرة، وأبرم اتفاقيات هامة مع قوى إقليمية، من بينها معاهدة الطائف مع السعودية عام 1934 التي أنهت نزاعًا حدوديًا طويلاً بين البلدين. اتسم نظام حكمه بطابع تقليدي محافظ، قائم على المرجعية الدينية والسلطة الشخصية المطلقة، مع محدودية ملحوظة في مؤسسات الدولة الحديثة، مما أثار استياء بعض الفئات في المجتمع اليمني.
كواليس اغتيال الإمام حميد الدين
في الأربعينيات من القرن الماضي، برزت تيارات معارضة قوية من بعض المثقفين والعسكريين ورجال القبائل، الذين طالبوا بإصلاحات سياسية ودستورية جذرية. هذه التحركات تجسدت في ما عُرف تاريخيًا بـ«الثورة الدستورية» عام 1948، حيث تعرّض الإمام يحيى لكمين دموي أثناء تنقله قرب العاصمة صنعاء، وأُعلن مقتله في الحال، لتنتهي بذلك حقبة طويلة من الحكم الإمامي.
أعقب الحادث المأساوي تولي نجله الإمام أحمد حميد الدين الحكم بعد صراع قصير لكنه حاد، لتدخل البلاد مرحلة جديدة من التوتر السياسي والاضطرابات المتلاحقة. وتُعد حادثة الاغتيال هذه من أبرز المحطات التاريخية التي مهدت لاحقًا للتحولات الكبرى في اليمن، وصولًا إلى ثورة 1962 التي أنهت الحكم الإمامي بشكل نهائي، وأسست لجمهورية اليمن العربية.
إرث تاريخي متجدد
تبقى ذكرى اغتيال الإمام يحيى حميد الدين محطة مفصلية في تاريخ اليمن الحديث، إذ جمعت بين صراع السلطة الداخلي ومحاولات الإصلاح السياسي في سياق إقليمي معقد، وكانت شرارة لأحداث متتالية شكلت هوية البلاد السياسية. هذا الحدث لا يزال يحظى باهتمام المؤرخين والباحثين، كونه يمثل لحظة تحول عميقة في بنية الحكم اليمنية، وتأثيراته الممتدة حتى العصر الحاضر.