الرشوة المقدسة: عندما يلبس الفساد عباءة الدين ويستغل النفوذ
تلقى الكاتب العديد من التعليقات من زملاء وأصدقاء كرد فعل على مقالته السابقة المعنونة "تعارض المصالح: السرطان الصامت في جسد الدولة"، حيث أشاروا إلى مظاهر أخرى عاصروها وعايشوها، توضح تجذر الفساد وتقبل المجتمع لأعراضه وظواهره بشكل درامي وغاية في التناقض.
يشير المقال إلى أن هذه الممارسات تعبر عن التشوهات التي يعاني منها المجتمع، خاصة عندما تصبح الرشوة ما يسمى بـ"نفحة" ربانية، مما يعكس عمق الأزمة الأخلاقية والقيمية.
تطور صور الرشوة: من المظاريف إلى الثياب الروحانية
أشار بعض الأصدقاء إلى تطور صور الرشوة لتصبح أكثر تعقيدًا وخبثًا، فهي لم تعد حزمة من الأوراق النقدية في مظروف مغلق، بل اتخذت لباسًا روحانيًا يغسل عار الجريمة بماء التوبة الزائف.
من أكثر الأمثلة إثارة للدهشة هي ما يسميه الكاتب الرشوة المقدسة، حيث يتم تقديم رحلات العمرة أو الحج كهدية لمسؤول ما مقابل تسهيل معاملة أو تمرير قرار أو الموافقة على قرض من مؤسسة مالية.
هنا، يقع المجتمع في فخ غسيل الأموال الأخلاقي؛ فالمعطي يرى في فعله برًا أو زكاة أو تقديرًا، والمتلقي يرى فيها رزقًا ساقه الله إليه لأداء شعيرة دينية.
الانفصام بين الوسيلة المحرمة والغاية المقدسة
هذا الانفصال التام بين الوسيلة المحرمة والغاية المقدسة يعكس عمق الأزمة؛ فكيف يمكن لتعارض مصالح صريح أن يُغلف بالتقوى؟ إنها محاولة بائسة لشرعنة ما وصفه الكاتب بـ "السرطان الصامت" عبر بوابة السماء.
المفارقة المبكية هنا هي غياب الإحساس بالتعارض التام بين وسيلة الفساد والغاية الدينية. يذهب المرتشي ليطوف بالكعبة ويسعى بين الصفا والمروة على نفقة الراشي، ولا يرى أي منهما غضاضة في ذلك.
بل إن البعض قد يدعو في الحرم لمن دفع تكاليف الرحلة، متناسيًا أن المال الذي مُول به هذا النسك هو مال سحت ناتج عن استغلال النفوذ والإضرار بالصالح العام وربما أكل حقوق الآخرين.
تبريرات دينية واقتصادية مشوهة للفساد
أيضًا، لفت نظر الكاتب أحد الأصدقاء لاندماج الفهم الخاطئ عند بعض رجال الدين في فلسفة الضرورة، حيث ينبري بعض المشتغلين بالدين لتبرير دفع الرشوة بحجة درء الضرر أو التخفيف منه.
هذا التبرير، وإن بدا في ظاهره رحمة بالفرد، إلا أنه في جوهره شرعنة للفساد وتدمير للمنظومة الجماعية. إنه يجعل من الرشوة الخيار الأول والوحيد، بدلًا من النضال القانوني لاستعادة الحقوق.
بعيدًا عن الجانب الديني، هناك بعض الأكاديميين والمنظرين ممن يدعون بأنهم المثقفين البرجماتيين، والذين يضعون نظرية اقتصادية مشوهة للفساد، حيث يعتنقون فلسفة تزييت التروس ويروجون لفكرة أن الرشوة هي الزيت الضروري لتشغيل ماكينة البيروقراطية الصدئة في البلاد النامية.
الرد الاقتصادي والاجتماعي على ظاهرة الفساد
ولكن الرد الاقتصادي على مثل هذه الدعاوى هو أن هذا الزيت ليس إلا مادة كيميائية حمضية تأكل جسد الدولة. الرشوة لا تسرع العمل بل تخلق حوافز للموظفين لتعقيد الإجراءات عمدًا لابتزاز المزيد من الزيت.
إن أخطر ما يواجه أي أمة ليس وجود الفساد الإداري في حد ذاته، بل حالة التصالح النفسي معه، وإيجاد المبررات الدينية والفلسفية والاقتصادية التي تغسل ذنوب الفاسدين وتمنحهم صكوك الغفران.
الخطر الوجودي هنا هو الذي يحدث عندما يصبح الفساد هوية، وحينما يلام الشخص إذا لم يستغل وظيفته لصالح "أهله وعشيرته"، وتتحول المحسوبية إلى صلة رحم والرشوة إلى واجب اجتماعي.
سبل المواجهة والعلاج لهذا السرطان الصامت
إن الفساد الذي يصبح هيكليًا ومحميًا بثقافة عامة لا يمكن مواجهته بالقوانين وحدها، بل بثورة وعي تعيد تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية. الرشوة تظل رشوة وإن كانت رحلة حج، والمحسوبية تظل خيانة للأمانة وإن كانت صلة رحم.
يجب زيادة وعي الناس بالمفاهيم الخاطئة والعمل على تصحيحها على كل المستويات، بدءًا من دور الحضانة والمدارس والجامعات، مع تشديد القوانين ومسح كل المناطق الرمادية بها والعمل بمواثيق أخلاقية في كل المؤسسات.
بدون استعادة الحيدة والنزاهة كقيم مطلقة لا تقبل التجزئة، سيظل جسد الدولة يئن تحت وطأة تروس متآكلة، تظن واهمة أنها تدور، بينما هي في الحقيقة تطحن مستقبل الأجيال القادمة.



