وزارة الأوقاف المصرية تصحح عبارة دينية شائعة: "لا حياء في الدين" خاطئة والصواب "لا حرج"
في ظل التحولات الفكرية والسلوكية المتسارعة التي تشهدها المجتمعات المعاصرة، تبرز الأخلاق والقيم كإحدى خطوط الدفاع الأساسية عن استقرار المجتمعات وتماسكها الداخلي. ويأتي خلق الحياء في مقدمة هذه القيم التي تضبط سلوك الإنسان وتوجه أفعاله نحو الصواب، ومع تراجع هذا الخلق الرفيع ترددت التساؤلات العديدة حول أثره العميق على الفرد والمجتمع، وما إذا كان غيابه يمثل بداية حقيقية لانهيار منظومة القيم بأكملها.
الحياء: معيار الانضباط السلوكي في الإسلام
أوضحت وزارة الأوقاف المصرية، في بيان توضيحي مهم، أن الحياء يعد خلقاً محورياً وأساسياً في الإسلام، حيث يعمل على ضبط السلوك الفردي والجماعي على حد سواء، ويشكل معياراً دقيقاً للتمييز بين الصواب والخطأ. واستشهدت الوزارة في بيانها بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» رواه مسلم، وكذلك قوله الكريم: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» أخرجه البخاري.
وأكدت الوزارة أن وجود خلق الحياء يمنع الإنسان من المجاهرة بالخطأ أو التمادي فيه بشكل علني، بينما يؤدي غيابه الحتمي إلى فوضى سلوكية واسعة النطاق وفقدان الضوابط الأخلاقية التي تحفظ توازن المجتمع وتضمن استقراره الدائم.
التصحيح المهم: "لا حرج في الدين" وليس "لا حياء في الدين"
وفي ضوء ما يثار من نقاشات حول علاقة الحياء بطلب العلم والمعرفة، أكدت وزارة الأوقاف بشكل قاطع أن العبارة الشائعة بين الناس «لا حياء في الدين» غير صحيحة من الناحية الشرعية، والصواب الذي يجب تداوله هو «لا حرج في الدين»، مشددة على أن هناك فارقاً كبيراً وجوهرياً بين المفهومين.
واستدلت الوزارة على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرًا * إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرࣰا﴾ [الشرح: ٥-٦]، والحديث الشريف: «أَنَّهُ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا» متفق عليه، موضحة أن الإسلام يقوم على مبدأ اليسر ورفع الحرج والمشقة، دون أن يتعارض ذلك مطلقاً مع خلق الحياء الذي لا يمنع التعلم ولا يمنع السؤال عن أمور الدين، بل ينظم العلاقة بين العلم والسلوك تنظيماً أخلاقياً رفيعاً.
تحذير من خطورة المجاهرة بالمعاصي وطمس القيم
وفي هذا السياق الحيوي، حذرت الأوقاف من خطورة المجاهرة بالمعاصي والتفاخر بالذنوب، مؤكدة أن الحياء يمنع الإنسان من نشر المعاصي أو التفاخر بها، مستشهدة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ» متفق عليه.
وأشارت إلى أن بعض المفاهيم المغلوطة التي تنتشر تحت مسمى الحرية المطلقة تساهم بشكل كبير في تطبيع السلوكيات المنحرفة، وهو ما يتنافى كلياً مع القيم الإسلامية الأصيلة، ويخالف قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النور: 19].
آثار غياب الحياء الممتدة على المجتمعات والدول
وأشارت الوزارة، في معرض حديثها، إلى أن غياب الحياء لا يقتصر أثره السلبي على الفرد فقط، بل يمتد ليشمل المجتمع بأكمله وحتى الدول، حيث يؤدي إلى اضطراب المعايير الأخلاقية، وانتشار الكذب على نطاق واسع، وتزييف الحقائق دون أي رادع أخلاقي يذكر.
ووضحت أن هذا الانحدار السلوكي الخطير يفتح الباب على مصراعيه أمام انهيار منظومة القيم بالكامل، ويضعف بشكل ملحوظ قدرة المجتمعات على الحفاظ على توازنها الداخلي واستقرارها الاجتماعي والسياسي على المدى الطويل.
تصدر غير المؤهلين وأهمية التربية المستمرة
ولفتت الوزارة إلى أن تصدر غير المؤهلين وعديمي الخبرة للمشهد العام، يُعد من أخطر النتائج المترتبة على غياب خلق الحياء، مستشهدة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» رواه أحمد في مسنده.
وشددت على أن الحل الأمثل يكمن في التربية المستمرة، وغرس القيم النبيلة منذ الصغر، بما يضمن بناء وعي مجتمعي قوي وقادر على مواجهة كافة مظاهر الانحراف الأخلاقي والسلوكي التي تهدد نسيج المجتمعات في العصر الحديث.



