الشيخ الشعراوي يفسر آية 25 من سورة العنكبوت: تحذير من الإصرار على الكفر
في إطار خواطره التفسيرية المميزة، تناول الشيخ محمد متولي الشعراوي، أحد أبرز مفسري القرآن الكريم في العصر الحديث، الآية 25 من سورة العنكبوت، حيث سلط الضوء على مصير الكافرين الذين يشهدون آيات الله ومعجزاته، ومع ذلك يصرون على الكفر والعناد.
نص الآية الكريمة وتفسيرها
قال تعالى في سورة العنكبوت الآية 25: «وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ».
في تفسيره لهذه الآية، أوضح الشيخ الشعراوي أن المعنى يتلخص في تساؤل موجه للكافرين: إذا كنتم لم تؤمنوا بالآيات الكونية التي تدل على قدرة الله، ولم تؤمنوا بالمعجزة التي رأيتموها حين نجى الله نبيه إبراهيم من النار، وكان من المفترض أن تؤمنوا بأنه لا يقدر على ذلك إلا الله، فلماذا هذا الإصرار على الكفر؟
الإصرار على الكفر وعبادة الأصنام
أشار الشعراوي إلى أن الكافرين يعبدون الأصنام ليس بسبب اقتناعهم بصلاحيتها للعبادة، بل «مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا»، أي نفاقًا ومجاملة لبعضهم البعض، أو تقليدًا لرؤوس القوم وآبائهم دون تفكير أو إيمان حقيقي، كما ورد في آيات أخرى مثل قوله تعالى: «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ» من سورة الزخرف.
ولكن هذه المودة الدنيوية، كما بين الشعراوي، لها عمر محدود وهو الحياة الدنيا فقط، ففي يوم القيامة تتحول إلى عداوة وصراع، حيث يتبرأ الكافرون من بعضهم البعض ويلعنون بعضهم، كما جاء في آيات أخرى مثل: «الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ» من سورة الزخرف.
مآل الكافرين في الآخرة
تحدث الشعراوي عن العاقبة الوخيمة للكافرين، مؤكدًا أن مأواهم النار وليس لهم من ناصرين، لأن المقدمات التي شاهدوها من آيات الله كانت تقتضي الإيمان، ولكنهم اختاروا الإصرار على الكفر. وفي المقابل، تتحول عداوة المؤمنين الذين تعاونوا على الطاعة إلى حب ومودة في الآخرة، حيث يشكر المؤمن أخاه الذي دفعه نحو الخير.
وأضاف أن العقوبة لا تقتصر على التبرؤ واللعن، بل تمتد إلى النار الخالدة، حيث لا توبة ولا رجوع، ولا ناصر من الله أو من الأصنام التي عبدوها دون جدوى، فهي أحجار لا تنطق ولا تجيب.
خاتمة: عبرة من قصة سيدنا إبراهيم
اختتم الشعراوي تفسيره بالإشارة إلى أن هذه الآية جزء من قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، شيخ المرسلين وأبو الأنبياء، الذي وصفه الله تعالى في القرآن بأنه «أُمَّةً»، مما يعكس عظمته ودوره في الدعوة إلى التوحيد. وهكذا، تقدم الآية درسًا قويًا في عواقب الإصرار على الكفر وضرورة الإيمان بالله وحده.



