ترامب يدير العالم بمنطق القرن الـ19: دبلوماسية الزوارق الحربية ونهب الثروات تهدد الاستقرار العالمي
حذر مقال رأي نشره موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي من أن الحرب التي تشنها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران تمثل انحرافا استراتيجيا وعسكريا وتكنولوجيا كارثيا، مما يضعف الموارد الحيوية الأمريكية بشكل كبير. وأشار المقال إلى أن ترامب يدير العالم بمنطق القرن التاسع عشر المبني على سرقة أراضي الآخرين والاستيلاء على مواردها الطبيعية، وهو نهج يعتبر غير مناسب للقرن الحالي.
رؤية جيوسياسية قديمة تعيد إحياء سياسات القرن الـ19
كتب المقال مايكل شيفر، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق لشؤون شرق آسيا، موضحا أن ترامب في غضون بضعة أشهر فقط هدد بالاستيلاء على جزيرة جرينلاند الخاضعة للسيادة الدنماركية، ونفذ غارة عسكرية ضد فنزويلا، ونقل رئيسها إلى نيويورك لمحاكمته، وتعامل مع حقول النفط الفنزويلية باعتبارها غنائم حرب. والآن أطلق حربا ضد إيران معلنا "استهداف تفكيك البرنامج النووي والصاروخي الإيراني وإسقاط نظامها".
يقول شيفر: "يصف أنصار ترامب مواقفه بـ'القوة'، بينما يرى منتقدوه أنه 'متهور'؛ ويغفل الطرفان أن هذه التحركات تعكس رؤيته لعالم لم يعد له وجود؛ حيث يتبنى مواقف الجيوسياسيين في القرن الـ19، من حيث السيطرة على الأراضي، والوقود الأحفوري، والفساد، والهيمنة العسكرية القسرية على الخصوم، والاستيلاء على النفط، وقمع قدرات أي نظام يرى أنه 'معاد'؛ وكلها إجراءات تصلح لقرن آخر، وليس القرن الحالي."
دبلوماسية الزوارق الحربية واستنزاف الموارد الأمريكية
وبحسب الكاتب، فإن مشكلة استنزاف الموارد باتت تمثل خطرا كبيرا على الولايات المتحدة، مضيفا: "بينما تمارس الولايات المتحدة دبلوماسية الزوارق الحربية، تقف الصين على الجانب الآخر، متبعة سياسة اقتصادية وتكنولوجية طويلة وصبورة." والأسوأ من ذلك أن نهج ترامب لا ينجح حتى وفق شروطه الخاصة. ففي يونيو 2025 أعلن ترامب أن الضربات الأمريكية قد دمرت البرنامج النووي الإيراني بالكامل، واليوم يستشهد بإعادة بناء إيران لذلك البرنامج كسبب لتوجيه ضربة أخرى في تناقض عجيب.
يقول شيفر: "هذا التناقض موجود بالكامل في تصريحات ترامب نفسه، على الرغم من أن التقييم السري الأولي لوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية ذكر أن ضربات يونيو أعادت البرنامج الإيراني إلى الوراء. والأهم من ذلك أن وزير الخارجية العماني كشف عن إنجاز دبلوماسي في اليوم الذي سبق اندلاع الحرب مباشرة، مشيرا إلى أن إيران وافقت على عدم تخزين اليورانيوم المخصب وعلى الخضوع للتحقق الكامل من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومع ذلك، سقطت القنابل."
فنزويلا وإيران: قصص مشابهة من الفشل والعواقب غير المقصودة
يضيف نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق لشؤون شرق آسيا: "تروي فنزويلا قصة مشابهة؛ فحكومة نيكولاس مادورو ما زالت في السلطة، مع تولي نائبته منصب الرئيس بالإنابة؛ ولم تلتزم شركات النفط الكبرى بالاستثمار؛ وستستغرق إعادة تأهيل البنية التحتية لفنزويلا 15 عاما وعشرات المليارات من الدولارات. لقد حدثت الغارة، و'استولينا' على النفط، لكن الجائزة ظلت بعيدة المنال."
ويبدو أن إدارة ترامب لم تستوعب درس ما سبق أن قام به الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش في العراق؛ فإذا سقط النظام الإيراني، ستتحمل الولايات المتحدة مسؤولية إعادة إعمار دولة يبلغ عدد سكانها 90 مليون نسمة، وإدارة بقايا برنامجها النووي المتناثر، واحتواء أو نزع سلاح الحرس الثوري الإيراني وشبكاته الإقليمية من الوكلاء، إضافة إلى تحقيق الاستقرار في شرق أوسط غارق الآن في أزمة.
اغتيال خامنئي قد يخلق نظاما إيرانيا أكثر تشددا
يمضي الكاتب قائلا: "قدرت أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن أكثر المرشحين احتمالا لخلافة المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي هم قادة متشددون يرتبطون بعلاقات وثيقة بالحرس الثوري الإيراني؛ وهم أنفسهم الأشخاص الذين بنوا وأشرفوا على البرنامجين النووي والصارخي الإيرانيين منذ البداية. ولا يبدو ذلك وكأنه تحرير للإيرانيين العاديين. بل إن استراتيجية إدارة ترامب القائمة على 'قطع رأس القيادة' ربما جاءت بنتيجة عكسية لما كان مقصودا منها."
سياسات ترامب تقوض شراكات واشنطن مع حلفائها
وبحسب شيفر: "لا يمكن لدولة بمفردها -حتى الولايات المتحدة- تصنيع أشباه الموصلات، والحصول على سلاسل توريد المعادن النادرة، وتحقيق الازدهار؛ ويتطلب ذلك كله نجاح واشنطن في عقد شراكات مع أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا والهند، ودول الجنوب العالمي؛ وأن يكون لدى هؤلاء الشركاء والحلفاء الثقة في مصداقية الولايات المتحدة، وأنها تشاركهم نفس المصالح والقيم."
ويتابع: "لكن التهديد بضم أراضي حليف في حلف شمال الأطلسي والتنمر على كندا، وتنفيذ ضربات عسكرية أحادية، وخوض حرب اختيارية دون رؤية متماسكة، كل ذلك يقوض العلاقات نفسها التي يعتمد عليها هذا التحالف."
قاعدة ترامب الشعبية تدفع ثمن مغامراته الاستراتيجية
يقول شيفر: "هناك أيضا تكلفة مباشرة يتحملها الأمريكيون العاملون نادرا ما تدخل في هذه النقاشات. فاندلاع صراع في الخليج أو الشرق الأوسط يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، أو تعطيل طرق الشحن، أو اضطراب الأسواق المالية؛ وكل ذلك يضرب الأسر العادية فورا سواء عند مضخة الوقود، أو فيما يتعلق بأسعار البقالة، أو معدلات الرهن العقاري. والقاعدة الشعبية التي يدعي ترامب الدفاع عنها هي التي تدفع ثمن المغامرات الاستراتيجية، بطرق نادرا ما تظهر في التعليقات التي تلي الضربات العسكرية."
ويختتم الكاتب مقاله بالقول: "إن نمط العدوانية التي أظهرها ترامب في فنزويلا وجرينلاند وإيران تعكس منطق رجل قوي في القرن التاسع عشر يؤمن بسياسات انتزاع أراضي الغير، واستخراج موارد الآخرين، وسحق الخصوم، وحنين إلى الماضي بميزانية دفاعية ضخمة؛ وهو ما تؤكده أفعاله في كل مرة."
