تجسّد القيمة الفكرية والأدبية لكتاب «هي دي الحياة» من خلال الجهد الاستثنائي الذي بذلته الكاتبة الصحفية شيماء سليم، مستفيدة من رحلتها الحوارية والبحثية الطويلة التي استغرقت 4 سنوات كاملة من الإنصات الواعي، والتحليل النفسي، والتدوين المنظم. ويحلق الكتاب بعيداً عن الرصد التقليدي لأطر السيرة الذاتية ومذكرات المخرجين، مستقراً في مساحة «المانيفستو» الإنساني الصرف الداعي إلى قبول الحياة بكل تناقضاتها الصارخة، وقسوتها البالغة، وجمالها الأخاذ.
سيدي سالم وشبرا.. جغرافيا الانحيازات
تنطلق رحلة خيري بشارة من قرية «سيدي سالم»، تلك البقعة التي التقى فيها سحر الطبيعة البكر بوحشية العلاقات الاجتماعية وقسوتها. في هذه البيئة، نبتت «بذرة الانحيازات الفكرية والطبقية» الأولى. ويرصد الكتاب تلك اللحظة الفاصلة في طفولته التي شكلت وعيه، حين شاهد والده يضرب فلاحاً بسيطاً، فتحركت في داخله نزعة تمرد عفوية، كره من خلالها السلطة الأبوية الحاضرة بقسوة، وتعاطف مع المقهورين والمهمشين. إنها الشرارة التي شكلت وعيه المبكر، ونفخت في روحه ملامح الإنسان الثوري الرومانسي الذي سيواجه العالم لاحقاً بصدر مكشوف، وصار مدفوعاً برغبة عارمة وجامحة تسعى لإعادة صياغة الواقع، وتغيير وجه العالم بأسره عبر بوابة الفن والسينما كأدوات وحيدة للخلاص والعدالة.
شبرا.. المطبخ السينمائي
يفرد الكتاب مساحات واسعة لحي «شبرا»، ويتوغل في تفاصيل «10 شارع حسن حلمي»، هذا العنوان الذي شكل مختبراً إنسانياً وسينمائياً شديد الثراء والخصوبة. يرتفع بيت شبرا في وجدان هؤلاء المبدعين كمركز كوني وهب بشارة ورفاق دربه من صناع «الواقعية الجديدة» كداود عبد السيد ومحمد خان فضاءً رحباً للرؤية والمعايشة. وفي مطبخ هذا البيت الحميم، ومن قلب نقاشاته الممتدة وسجالاته الفكرية اليومية، نضجت الأفكار الطليعية الجريئة، وتشكلت الرؤى الفنية الفلسفية التي أخذت على عاتقها صياغة السينما المصرية من جديد، وهدم قوالبها الكلاسيكية الجامدة لتستبدلها بواقعية الشارع ونبض الناس. وصاغ التبدل العمراني والبشري العنيف وجدان المخرج، واستقر في عمق وعيه، ليصبح الخلفية البصرية والدرامية الأصيلة، والركيزة الواقعية الحية التي تجلت بكامل قسوتها وشجنها لاحقاً في فيلمه «يوم مر.. يوم حلو».
البعثة البولندية: فض البكارة الفكرية والسينمائية
تتربع التجربة البولندية كمحطة راديكالية فارقة في حياة بشارة، ويفرد لها الكتاب مساحة وافية بوصفها مرحلة «فض العذرية» الشاملة على كل المستويات الفكرية والفنية والشخصية. فتحت هذه الغربة أمامه آفاقاً رحبة وشاسعة للتجريب الإنساني المطلق، وقادته إلى يقين راسخ بأن السينما الحقيقية تعيش وتتنفس في الشوارع الخلفية المنسية، وتتخلق في رصيف قصص الحب المتعثرة، وتولد من مراقبة العمالقة وصناع التاريخ في لحظات تجليهم، بعيداً كل البعد عن قاعات المحاضرات الجافة وجدران المعاهد ودواوين الكتب المغلقة. في بولندا، اهتدى «بشارة» إلى مفهوم «الصدق الذي لا يشيخ»، وتأثر بعمق بأسلوب المخرج العالمي «أندجي فايدا»، الذي تعلم منه كيف يقود الممثل بحميمية واحتواء، بعيداً عن الصرامة العسكرية المعتادة. إلا أن الدرس الأبقى في تلك الغربة كان درس «كرامة المواطنة»، فحين تعرض لاعتداء عنصري في «المدينة القديمة» بالعاصمة وارسو، وقيل له إنه سيظل «مواطناً من الدرجة الثانية» في الغرب مهما بلغت عبقريته، اتخذ قراره الحاسم بالعودة إلى مصر.. وعاد محصناً بقناعة فولاذية لا تتزحزح: «أنا مواطن درجة أولى بامتياز أينما حللت، ولن يحول أحد دون أن أنال فرصتي كاملة في بلدي».
صراع الأطواق والأساور ومحاكمة الواقع
يستعرض الكتاب بتعمق المخاض الإبداعي الصعب لأفلام خيري بشارة، مبرزاً كيف كان كل شريط سينمائي يقدمه بمثابة صرخة احتجاج مدوية ضد السائد، أو محاولة شاقة لفهم الذات والمجتمع. «العوامة رقم 70» كان هذا الفيلم بمثابة مرآة ذاتية قدم فيها بشارة نفسه وهواجسه، مجسداً أزمة المخرج الشاب الذي يصارع واقع السبعينات المحبط والمليء بالانكسارات، إذ ظهر في الفيلم تأثره الواضح بالأدب الروسي، وتحديداً بعوالم «تشيخوف»، من خلال محاولة نحت أداء تمثيلي واقعي وعفوي يخرج من صميم الحياة اليومية، متمرداً على زيف وتصنع «نظام النجوم» التقليدي. «الطوق والأسورة» يمثل هذا العمل الطموح الفني الأكبر الذي ظل يداعب مخيلة بشارة منذ أن قرأ قصة يحيى الطاهر عبد الله، تحول الفيلم إلى وثيقة أنثروبولوجية تدين آليات التخلف والجهل التي توئد أي رغبة في التطور والتحرر.
من قسوة الواقعية إلى رحابة «الفانتازيا الشعبية»
تفرد شيماء سليم في صفحات الكتاب مساحات تحليلية واسعة لرصد المنعطف الفني المفاجئ والتحول الجمالي المذهل في مسيرة خيري بشارة، متخذاً من فيلمه الشهير «كابوريا» نقطة انطلاق وتأسيس لمرحلة مغايرة تماماً. تأتي هذه الخطوة الجريئة في أعقاب مسيرة حافلة بإخراج أفلام واقعية شديدة القسوة والوضوح، أفلام بلغت من فرط صدقها الدرامي حدوداً أوشكت أن تصيب الجمهور بـ«ذبحة صدرية». تملكت المخرج رغبة عارمة في التمرد على قوالبه الجاهزة، معلناً انعتاقه التام من أسر الكليشيهات الفنية التي نحتها بيده طوال سنوات، ومنتصراً لخيارات «السباحة في الضوء» واقتحام فضاءات بصرية جديدة تقع خارج مناطق الأمان الإبداعي المعتادة.
صراع مع الموت وعشق مطلق للحياة
يضم الفصل الأخير من الكتاب الصفحات الأكثر إيلاماً وإلهاماً، حاملاً في طياته تفاصيل مواجهة خيري بشارة للمرض الشرس الرافض حتى ذكر اسمه، «السرطان»، إذ خاض المخرج هذه المعركة الوجودية، مستدعياً روحه الجسورة الثائرة، وهي الذات نفسها المحاربة طوال عقود ضد مقصات الرقابة وتعنت الجهات الإنتاجية. تمنحنا اعترافات «بشارة» في هذه المرحلة المعبر الآمن نحو رتبة صوفية خالصة، رتبة قوامها «نكران الذات» والتجرد الكامل من زيف الألقاب وبريق الهالات الاصطناعية، متوجاً هذا التسامي الفكري بعبارته العميقة: «أنا لست خيري بشارة.. أنا لست اسمي». ويشكل هذا الزهد الواعي في بريق الشهرة، والمنسجم تماماً مع التصالح الإنساني الكامل مع الذات، ذلك الوقود البشري والروحي الدافع لعودته الإعجازية إلى الساحة الفنية بقوة وحيوية بعد تجاوزه سن السبعين، حاملاً في جعبته إخراج مسرحيات ومسلسلات حديثة، وساكباً عصارة روحه وتجاربه الإنسانية الممتدة في روايته «الكبرياء الصيني».
هي دي الحياة.. وهي دي السينما
تتجاوز مذكرات خيري بشارة في هذا الكتاب حدود الاستعادة التقليدية للماضي، لتصبح دعوة مفتوحة ومستمرة للتمرد على الركود والوقوف في وجه الشيخوخة الفكرية. وتختتم شيماء سليم فصول الكتاب، بوصية رقيقة تفيض بالحكمة والعذوبة الإنسانية البالغة من خيري بشارة: «لا شيء يستحق أن يثير قلقك.. فقط اترك نفسك بكل ما ملكت كي تحبك الحياة حين تحبها». وتتجلى «هي دي الحياة» بمفهومها الشامل والعميق، سيرة ممتدة مفعمة بالحب الخالص، والتمرد البناء، والسينما النابضة المتجاوزة لحدود الموت والفناء، منبثقة من أعماق قلب نابض بالإصرار، ورافض تماماً للتوقف عن الخفقان بالأمل والأحلام.



