مصحف ومفتاح وباب.. متحف الفن الإسلامي يروي ذاكرة الحج في عيد الأضحى
مصحف ومفتاح وباب.. متحف الفن الإسلامي يروي ذاكرة الحج

في قلب القاهرة التاريخية، وعلى مقربة من مسجد السلطان حسن، يقف متحف الفن الإسلامي شامخًا منذ أكثر من قرن، حارسًا لأنفس ما أبدعته يد الإنسان المسلم عبر الزمن. قبابه ونوافذه المشربية تشير إليك من بعيد، كأنها تهمس: «هنا تنبض الحضارة». أُسّس المتحف عام 1903م، وتوسّعت مجموعاته عبر العقود لتشمل تحفًا لا تقدّر بثمن من شتى أرجاء العالم الإسلامي.

كنوز المتحف.. أكثر من مئة ألف قطعة

يضمّ المتحف أكثر من مئة ألف قطعة أثرية تمتد من القرن السابع الميلادي حتى العصر الحديث: مخطوطات وأسلحة وزجاج وأقمشة ونقوش، جُمعت من أقصى الأندلس غربًا إلى حدود الصين شرقًا. كل قاعة فيه حكاية، وكل قطعة شاهد على حضارة أبدعت لقرون دون أن تتوقف. لكن من بين كل هذا الثراء، تبرز ثلاث قطع استثنائية تروي في أيام عيد الأضحى المبارك قصصًا لا تُنسى.

«المتحف حوار متواصل بين الماضي والحاضر، يمنح الزائر بُعدًا ثالثًا للزمن». ومع حلول أيام الحج وعيد الأضحى، يكتسب المتحف طابعًا روحيًا مضاعفًا، إذ ينبري كل عرض فيه ليذكّرنا بأن الإسلام لم يكن فقط دينًا، بل كان حضارة تجسّدت في كل خطٍّ ولون وزخرفة. ها نحن نفتح أبواب ثلاث قطع أثرية نادرة، ونستمع إلى ما تحكيه.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

مصحف القرن الثاني الهجري.. كلمة الله محفورة على رق الغزال

على رقوق الغزال، وبمداد أسود راسخ كإيمان من كتبه، خُطَّ هذا المصحف الكريم في مصر منذ أكثر من اثني عشر قرنًا. ما يميّزه عن غيره من المخطوطات أنه يُعدّ من أقدم النسخ القرآنية التي تحتوي على علامات الشكل والإعجام مرسومةً باللون الأحمر، وهي لحظة فارقة في تاريخ الكتابة العربية وتطور رسم المصحف. الخط الكوفي البسيط الذي سطّر آياته لا يعرف التواضع؛ زاوياه الحادة ومدوداته المستقيمة تنطق بالجلال. كان القرآن الكريم، إلى جانب السنة النبوية، الأساس الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية بأسرها، وهذا المصحف دليل مادي ملموس على عناية المسلمين الأوائل بصون كلمة الله وإيصالها سليمةً صحيحةً إلى الأجيال القادمة. تأمّل هذا المخطوط يُدرك أن الكتابة لم تكن مجرد وسيلة تواصل، بل كانت عبادة. وفي أيام ذي الحجة، حين تُتلى آيات التلبية والتكبير في أرجاء المعمورة، يذكّرنا هذا المصحف بأن هذه الكلمات نفسها كانت تُقرأ في ليالٍ شبيهة منذ أكثر من ألف عام، وأن ما يجمع المسلمين اليوم هو ذات الكتاب الذي جمعهم بالأمس.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

مفتاح الكعبة المشرفة.. النحاس المكفَّت بالفضة

لا تغدو قطعة أثرية رمزيةً إلى هذا الحد إلا نادرًا. هذا المفتاح الذي أُهدي للسلطان المملوكي الأشرف شعبان يُعدّ الأقدم من بين مفاتيح الكعبة المشرفة الباقية حتى اليوم. كُتبت عليه آيات من سورة الفتح بخط النسخ الدقيق، وسُجِّل عليه اسم السلطان ولقبه في نقش بديع يجمع بين القيمة الدينية والجمال الفني. صُنع عام ٧٦٥ هـ / ١٣٦٣-١٣٦٤م، في وقت كانت فيه مصر المملوكية تتولى خدمة الحرمين الشريفين بفخر واعتزاز. النحاس الثقيل والفضة المُرصَّعة يُجسّدان ثقل الأمانة؛ من يحمل هذا المفتاح يحمل معه شرف البيت الحرام. يُعدّ الحج من أهم الشعائر الدينية التي ساهمت في امتزاج واتحاد السمات الفنية الإسلامية، حيث كان بمثابة موسم لتبادل الأفكار والعادات والفنون بين جميع مسلمي العالم. «من يحمل مفتاح الكعبة لا يحمل معدنًا، بل يحمل تاريخ أمة وأمانة حضارة عمرها أربعة عشر قرنًا.» في أيام عيد الأضحى، حين يؤدي الحجاج مناسكهم ويطوفون بالبيت العتيق، يقف هذا المفتاح في زجاجة المتحف شاهدًا صامتًا على أن الكعبة كانت دائمًا أكثر من بناء؛ كانت مركز ثقل لحضارة جمعت المسلمين من كل أصقاع الأرض.

الباب الأثري.. شاهد على الوحدة الإسلامية

الباب ليس مجرد قطعة خشبية مزخرفة، إنه عتبة بين عالمين. وهذا الباب الأثري المحفوظ في متحف الفن الإسلامي يحمل في نقوشه النحاسية الغنية خلاصة فن إسلامي جمع بين مشارق الأرض ومغاربها. الأرابيسك المتشابك على سطحه يختصر فلسفة الوحدة في التنوع، وهو جوهر ما جمع المسلمين على مرّ العصور. أسهمت فريضة الحج في توفير الترابط بين شعوب العالم الإسلامي، وربما كان ذلك سببًا في أننا نجد نفس الروح والمميزات الفنية لمنتجات الحضارة الإسلامية واحدة بين جميع الولايات التي شملها حكم المسلمين، كل ذلك بعد أن تتوافق هذه الأفكار مع مبادئ الشرع والدين الإسلامي. هذا الباب بزخارفه المحكمة وتناسقه الهندسي الدقيق يجسّد هذا المفهوم ببلاغة لا تحتاج إلى ترجمة. ففي نهاية الجولة بين قطع المتحف، تتجلى هذه التحف باعتبارها أدلة دامغة على مدى ما وصلت إليه هذه الحضارة من تقدم وإبداع في شتى مجالات الحياة. وحين تقف أمام هذا الباب بزخارفه المتداخلة كالأرواح المتحابة، تدرك أن الوحدة الإسلامية التي يجسّدها الحج ليست شعارًا عاطفيًا، بل هي أثر ملموس، حُفر في الخشب والنحاس على مدى قرون.

عيد الأضحى والمعنى الأعمق

حين يحلّ عيد الأضحى المبارك، يتوحّد المسلمون في مشهد واحد مهيب: الحجاج يطوفون بالبيت العتيق، والمكبّرون يملأون الآفاق بصوت التكبير والتهليل، والناس في كل مكان يتشاركون فرحة العيد وروحانيته. وفي هذا السياق تحديدًا، تكتسب القطع الثلاث في متحف الفن الإسلامي أبعادًا جديدة. المصحف المخطوط على رق الغزال يذكّرنا بأن أول ما فعله المسلمون الأوائل هو صون الكلمة، الكلمة التي يُتلى بها تلبية الحج، والتي تُقرأ في ليالي ذي الحجة الغرّاء. أما مفتاح الكعبة الذي أُهدي للسلطان المملوكي، فيؤكد أن خدمة البيت الحرام كانت دائمًا شرفًا تتنافس عليه الدول والسلاطين، وأن الكعبة لم تكن يومًا ملكًا لأحد، بل كانت وديعة في عنق كل مسلم. «عيد الأضحى تذكير سنوي بأن الانتماء إلى هذه الحضارة أكبر من حدود وأوسع من أوطان، وهذه القطع الثلاث تحمل هذا المعنى في صمت أبلغ من أي خطبة.» والباب الأثري بزخارفه المتشابكة يجسّد ما فعله الحج في روح الحضارة الإسلامية: جمع الفنانين والحرفيين والعلماء والتجار من كل أصقاع الأرض في مكان واحد، فتعارفوا وتبادلوا الأفكار والأساليب، ثم عادوا إلى بلدانهم يحملون بذور إبداع جديد. هكذا ولدت الوحدة الفنية الإسلامية التي يعكسها هذا الباب الجميل.

الزيارة إلى متحف الفن الإسلامي في أيام العيد ليست رحلة ترفيهية، بل هي رحلة في أعماق الهوية. كل قطعة تسألك: من أنت؟ ومن أين جئت؟ وما الذي ورثته دون أن تدري؟ الإجابة ليست في الكتب وحدها، بل هي هنا، خلف زجاج المتحف، في مصحف يتنفس، ومفتاح ينبض، وباب ينتظر.

المتحف مفتوح والتاريخ ينتظر

في نهاية الجولة بين قطع متحف الفن الإسلامي، لا تغادر المكان بقدميك فقط، بل تغادره وقد تشبّعت بشيء لا اسم له بسهولة، شيء يشبه الفخر الهادئ والانتماء العميق والدهشة الصامتة. هذه التحف ليست ماضيًا انقضى، بل هي حاضر يتنفس خلف الزجاج، يحدّق فيك ويسألك أن تتذكر. في عيد الأضحى المبارك، حين تمتلئ الشوارع بالتكبير والفرحة وروائح الشواء وأصوات الأطفال، تبقى هذه القطع الثلاث – المصحف والمفتاح والباب – شهودًا صامتين على أن هذه الأمة بنت، وأبدعت، وأعطت. وستظل تبني وتبدع وتعطي، ما دامت أبواب متحف الفن الإسلامي مفتوحة، والزائر يتأمل ويتذكر.