حين تعبر عتبة متحف الرئيس أنور السادات داخل مكتبة الإسكندرية، لا تدخل معرضًا للتاريخ بقدر ما تدخل إلى روح رجل. هنا يتوقف الزمن عند لحظات خاصة جدًا: رسائل كتبها بيده إلى بناته، وراديو قديم كان يستمع فيه إلى القرآن الكريم، ومفتاح ذهبي يحكي قصة السلام، وكرسي جلدي احتضن لحظات التأمل والصمت. هذا ليس مجرد متحف، هذا هو أنور السادات الإنسان.
أوراق بخط اليد حين يكتب الرئيس لبناته
في الجناح الرئيسي من المتحف، تستوقفك لافتة مكتوب عليها بالعربية والفرنسية والإنجليزية: "مجموعة أوراق بخط يد الرئيس السادات". وخلف الزجاج المضاء بعناية، ترقد رسائل مكتوبة بقلم سيال في ليالٍ غابرة من خمسينيات القرن الماضي. رسائل لا تحمل أوامر ولا تصريحات سياسية، بل تحمل عبارات الأب القلق على بناته البعيدات.
رسائل الأب الحنون
الرسالة الأولى مؤرخة في الأول من أبريل عام 1956، تبدأ بـ"حبيبتي رانا وراوية وكاميليا"، ثم يمضي في كلمات تفيض بالحنان. يسألهن عن الدراسة، يذكّرهن بتعلم العربية واللغات الأجنبية، ويوصيهن بالتراحم فيما بينهن. ولا ينسى أن يُقبّل "أولادنا"، كأن الأسرة الصغيرة كلها تحضر في سطور تلك الرسالة.
رسالة أخرى تكشف عن رب أسرة يُقلق من أمراض بناته، يتتبع حالتهن الصحية باهتمام الطبيب قبل أن يكون اهتمام الأب، يوصي بأخذ الدواء والراحة ويسأل عن حالة "كوبية" التي يبدو أنها أصيبت بالبرد. أما الرسالة المؤرخة في 15 أبريل 1956 من رفح، فتنتهي بعبارة تلخص روحه: "والسلام، الفوزي".
النصائح الأربع عشرة: دستور الحياة بخط رئاسي
على الجانب الآخر من اللوحة الزجاجية، تبرز أوراق مكتوبة بالإنجليزية، تحمل نصائح شخصية يوصي بها أبناءه وكأنه يضع دستورًا للحياة الكريمة. من بينها: "كن نفسك ببهجة وسعادة"، و"لا تجعل الغضب يتغلب عليك، حاول أن ترى وجهة نظر الآخر"، و"اجعل المال في مرتبته الصحيحة، فالمال ليس كل شيء". كلمات عابرة للزمن، لو وضعتها في يد أي أب اليوم لقال: هذه وصيتي لأولادي.
تستحق القائمة التي كتبها السادات بالإنجليزية وقفة مطولة. أربع عشرة نصيحة تمتد بين صفحتين، تبدأ بـ"كن نفسك" وتنتهي بـ"لا تنظر إلى الوراء بندم، ابنِ أفكارك نحو آفاق أفضل". وبينهما: تنمية حس الفكاهة، وزراعة التسامح، والحفاظ على الفردية والاستقلالية. رجل عرف أن الحياة أكبر من السياسة، وأن السعادة الحقيقية تبدأ بالداخل.
الغرفة التي رأت التاريخ: مكتب الرئيس
حين تنتقل إلى قسم آخر من المتحف، تجد نفسك أمام إعادة تجسيد لمكتب الرئيس الخاص. مكتبة خشبية دافئة اللون تحتضن كتبًا عربية وأجنبية، منها "أمريكا الأبدية" وروايات كلاسيكية ومراجع تاريخية، إنها مكتبة مفكر يقرأ بنهم ويتأمل بعمق.
أمام المكتبة، كرسي أريكة بنقشات زهرية هادئة، وكأنه يقول إن وراء الرئيس إنسانًا يجلس ليستريح وليقرأ ويفكر. أما المكتب الخشبي الفاخر بزخارفه الذهبية، فيعلوه صورة لوحة زيتية تُصور السادات في أبهى هيئاته، نظرة جانبية واثقة، كأنها تقول للزوار: أنا هنا، في كل مكان من هذه الغرفة.
هذا الفضاء المصغّر لا يحكي عن الحروب أو مفاوضات السلام، بل يروي يومًا عاديًا في حياة رجل غير عادي، يومًا كان فيه الرئيس يشرب قهوته ويقلّب في الكتب ويكتب ملاحظاته.
الكرسي والراديو: ثنائي بسيط يختزل جانبًا خفيًا
من أكثر المقتنيات التي تشدّ الزوار: راديو "Grundig Satellit 2100" القديم، يرقد في عرضه الهادئ بجوار كرسي جلدي بنّي داكن اللون. اللافتة تقول بثلاث لغات إن هذا الراديو كان يستخدمه الرئيس لتلاوة آيات من القرآن الكريم بصوته.
الكرسي والراديو ثنائي بسيط يختزل جانبًا خفيًا من شخصية السادات: الرجل الذي كان يجلس في هدوء الليل، يُجيل بصره بعيدًا، ويستمع أو يتلو كلام الله. في هذا المشهد الصامت يكمن ما لا تستطيع الصور الرسمية التقاطه: لحظة الخلوة مع الروح.
المفتاح الذهبي: رمز السلام والحضارة
يستوقفك في قسم آخر مفتاح ذهبي ضخم، مزيّن بنقش دائري يحمل رسمًا لمبنى معروف. المفتاح، وهو النوع الذي تمنحه المدن تقليديًا لضيوفها الكبار، يختزل جوهر ما قدمه السادات للعالم: جرأة فتح الأبواب، حين كان الجميع يبنون الجدران.
رسالة الجوار الزجاجي تُرفق به جواز سفر السادات القديم، الممتد بين تواريخ سفراته الكثيرة. هذا الجواز لا يُعدّ وثيقة رسمية فحسب، بل سجلٌّ لرجل لم يتوقف عن الحركة، ساعيًا أحيانًا للحرب وأحيانًا للسلام، لكنه كان دائمًا يسعى.
متحف يُقلّب الصورة النمطية
ما يميز هذا المتحف عن غيره من متاحف الزعماء أنه لا يُقدّم "الأيقونة السياسية" فحسب، بل يستحضر الأب والمعلم والقارئ والإنسان المؤمن. الصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود لبنات السادات مع والدتهن، المعلقة بجوار الرسائل الخطية، تُكمل الصورة: هذا كان بيتًا حقيقيًا، وكانت هناك حياة حقيقية وراء أبواب القصر.
حين تغادر المتحف، تحمل معك شيئًا يصعب تسميته: ليس معلومة تاريخية ولا حقيقة موثقة، بل إحساس بأنك لقيت إنسانًا. رأيت خطه، تتبعت همومه، جلست في ظل كرسيه، وسمعت في الذاكرة صوت راديو قديم يرتل الآيات في ليل هادئ.



