محمود مرزوق يكتب: «كوه نور» ودبلوماسية الألماس
«كوه نور» ودبلوماسية الألماس: قصة ماسة الجدل

محمود مرزوق يكتب: «كوه نور» ودبلوماسية الألماس

شهد العالم مؤخراً حراكاً ثقافياً ودبلوماسياً موسعاً يطالب باسترداد ما استحوذت عليه القوى الاستعمارية من ممتلكات ثقافية للشعوب التي جرى نهب ثرواتها الاقتصادية والبشرية. ولم تقتصر مخالب الاستعمار على الموارد الطبيعية فقط، بل طالت الآثار والإرث الحضاري في الشرق الأدنى والأقصى، وفي أفريقيا وآسيا. جولة قصيرة في قاعات المتحف البريطاني تكشف لنا مدى ضخامة ما جرى نهبه من مصر والسودان والعراق والهند، حتى إن الثقافات المحلية في بنين وغانا لم تسلم من عمليات السلب المنظمة، بالتحايل تارةً أو بالقوانين المعيبة تارةً أخرى.

أثير الجدل مؤخراً حول ماسة «كوه نور»، وهي قطعة فريدة من الأحجار الكريمة تزن 105.6 قيراط، ويعدها مؤرخو الفن شاهداً تاريخياً على صعود الإمبراطوريات وسقوطها، ورمزاً لصراع لم تنتهِ فصوله بعد بين الشرق الذي استخرجت من أرضه، والغرب الذي يستقر في تاج إحدى ممالكه. «كوه نور» تعني حرفياً «جبل النور»، استخرجت من مناجم «كولور» في الهند، ولبريقها الأخاذ نسجت حولها الأساطير؛ فمن يمتلكها تخضع له ممالك الهند، وهو ما جعلها تتنقل بين أيدي سلاطين دلهي وصولاً إلى «عرش الطاووس» للإمبراطور المغولي شاه جهان، قبل أن يقتنصها القائد الفارسي نادر شاه عقب غزوه لدلهي عام 1739، وهو الذي أطلق عليها اسمها الحالي حين ذهل ببريقها للمرة الأولى.

أسطورة ولعنة

ارتبطت الماسة بأسطورة هندوسية قديمة تقول إن من يملكها سيملك العالم، لكنه سيعرف أيضاً كل مآسيه، ولا يرتديها دون أن يصاب بلعنتها سوى النساء. وهو ما عززه التاريخ الفعلي؛ فكل حاكم امتلكها عانى من الاضطرابات والخيانات، بينما لم تظهر هذه «اللعنة» على الملكات اللاتي تزين بها. وقد وصلت الماسة إلى محطتها الحالية في بريطانيا في منتصف القرن التاسع عشر، بموجب معاهدة لاهور عام 1849، حين أجبر حاكم السيخ الشاب داليب سينج على التنازل عنها للملكة فيكتوريا، لتخضع لاحقاً لعملية إعادة صقل في لندن أفقدتها نصف حجمها تقريباً، غير أنها منحتها شكلها البيضاوي الحالي الذي يستقر اليوم في مقدمة تاج ملكة بريطانيا، خلف الزجاج حيث تعرض في متحف مقتنيات الأسرة المالكة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

حراك دبلوماسي جديد

واليوم، لم تعد المطالبة بـ«كوه نور» حبيسة الأروقة الدبلوماسية في نيودلهي، بل انتقلت إلى قلب العواصم الغربية بصوت جيل سياسي جديد، برز بوضوح في التحركات السياسية الأخيرة لعمدة نيويورك، زهران ممداني، الذي وجه مطالبات مباشرة لملك بريطانيا باستعادة الماسة. وقد غدا هذا التحرك رمزاً لحراك عالمي يطالب بالمحاسبة التاريخية؛ إذ يرى «ممداني» والتيار الذي يمثله أن وجود هذه الجوهرة في التاج البريطاني يمثل «دليل إدانة» لحقبة النهب الاستعماري، وأن استعادتها خطوة رمزية ضرورية نحو تحقيق العدالة الدولية وتصفية خطايا الاستعمار التي لا تزال تعاني تبعاتها شعوب نهبت ثرواتها.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تعقيد الملفات الموروثة

تبقى قضية «كوه نور» نموذجاً على تعقيد الملفات الموروثة من الحقبة الاستعمارية، إذ تتقاطع فيها اعتبارات قانونية وتاريخية وثقافية لا تقبل حلولاً وسطى. فبينما تتمسك بريطانيا بحجج قانونية تستند إلى معاهدات موقعة، تطالب دول عدة باسترداد ما تعتبره جزءاً من هويتها الحضارية. والمشترك بين الطرفين أن هذا النقاش لم يعد حكراً على الدبلوماسيين ورجال القانون الدولي والمعنيين بقضايا التراث، بل بات حاضراً في الفضاء العام ويكتسب زخماً متصاعداً. وفي غياب إطار دولي ملزم ينظم مسألة إعادة الممتلكات الثقافية، يظل الجدل مستمراً، وتبقى «كوه نور» في قلبه شاهداً على حقبة لا يزال العالم يعاني من تداعياتها.