نتتبع في السطور التالية السر الكامن في الصالحين والأولياء بحق، وكان لزامًا علينا أن نتحدث عن السر الكامن في فاطمة الزهراء قرة عين أبيها خير خلق الله كلهم، سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، والتي بشرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها سيدة نساء العالمين، مع السيدة خديجة بنت خويلد، ومريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون.
والسر الكامن في السيدة فاطمة هو الروح ومعنى الروح ما يُكتم (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)، وقد اصطلح العلماء على تسمية الروح بالسر، وهو ما ذهب إليه ابن القيم تلميذ ابن تيمية في زاد المعاد، وقال إنه اختيار شيخه -يعني ابن تيمية-، وعلى هذا فقد حازت الزهراء عدة أسرار وليس سرًا واحدًا.
مكانة فاطمة عند النبي
فقد قال النبي ﷺ (فاطمة مني فمن أغضبها أغضبني)، وقال السهيلي: من سبها فقد كفر ومن صلى عليها فقد صلى على أبيها، (ورد في التوضيح شرح الجامع الصحيح). وعندما سئل أبي بكر بن داوود من أفضل خديجة أم فاطمة، فقال لا أعدل ببضعة من رسول الله أحدًا، وعندما أقسم أبو لبابة ألا يحله أحد إلا رسول الله، جاءت فاطمة لتحله، فأبى من أجل القسم، فقال رسول الله: إنما فاطمة بضعة مني (مصابيح الجامع).
وكانوا يقولون عنها إنها سر أبيها، فقد خصها رسول الله بسرين عظيمين في مرض موته، لم تفصح عنهما إلا بعد وفاته، قال لها إنه سيلقى ربه في مرضه هذا، فبكت ثم قال لها إنها أول أهله لحوقًا به فضحكت.
فضائل فاطمة الزهراء
وقد اجتمع عدد من الصحابة وقالوا يا رسول الله نسألك أي أهلك أحب إليك فقال لهم (فاطمة بنت محمد) رواه الترمذي وحسنه والبزار وصححه الحاكم. وقالت عائشة الصديقة (ما رأيت أحدًا قط أصدق من فاطمة غير أبيها، وكان بينهما شئ، فقالت يا رسول الله سلها فإنها لا تكذب) رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم.
وفاطمة كما يقول الحافظ ابن حجر في كتابه: الإصابة أصل بقاء النسل النبوي الشريف والذرية المباركة فقد انقطع نسل رسول الله إلا من فاطمة.
وقد قيل عنها: من ذا يداني في الفخار أباها / هي ومضة من نور عين المصطفى / بقيت على طول المدى ذكراها / هي أسوة للمؤمنات وقدوة / يترسم القمر المنير خطاها.
وقال رسول الله ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَمْعِ غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ حَتَّى تَمُرَّ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، فَتَمُرُّ وَعَلَيْهَا رَيْطَتَانِ خَضْرَاوَانِ». (ريطتان): مثنى رَيْطة: وهي ملاءة كلها نسج واحد. (الطبراني في الأوسط، والحاكم، وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن علي) و[سير أعلام النبلاء - بتصرف].
وصية فاطمة ودفنها
وكانت وصية السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها أن تُدفنَ ليلًا ويُعفَى قبرها، وحُمِلت الزهراء رضي الله عنها إلى مثواها الأخير، في نعش صنعته لها أسماء بنت عُمَيْس رضي الله عنها بمواصفات خاصة، وذلك لشدة حيائها رضي الله عنها. فقد استقبحت أن تُحمَلَ على الآلة الخشبية ويُطرحَ عليها الثوبُ فيصفُها، فكان نعشُها عبارة عن سرير شُدَّتْ جرائدُ النخيل على قوائمه، ثم غُطِّي بثوب، فكانت السيدة فاطمة أول من حُمِلَت في نعش طلبته لنفسها وقالت لأسماء في مرض موتها (سترك الله كما سترتني).
وقد قال علي إمام البلاغة أعظم رثاء عند دفن فاطمة، وزيارته بعدها لقبر أبيها عليه السلام، إذ قال: السلام عليك يا سيدي يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة بجوارك، السريعة اللحاق بك، فقد قل يا رسول الله عن صفيتك صبري ورق عنها جلدي إلا أن لي في التعزي بمصيبتك موضع سلوى، فقد وسدتك يا رسول الله في ملحودك قبرك، وقد فاضت بين سحري ونحري نفسك، أما ليلي فمسهد وأما حزني فسرمد إلى أن يختار الله لي الدار التي أنت بها مقيم، هذا وستخبرك ابنتك عن حال أمتك فأصفها السؤال واستخبرها الحال.
ونكمل إن كتب الله لنا في العمر بقية.



