يتناول القرآن الكريم شعائر الحج وأحكامه، ومنها السعي بين الصفا والمروة، حيث يقول الله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم) (البقرة:158)، فهذه الآية تبين قدسية الصفا والمروة وأهمية السعي بينهما كجزء من مناسك الحج والعمرة.
آراء العلماء في حكم السعي بين الصفا والمروة
اختلف العلماء في حكم السعي بين الصفا والمروة، وهم في ذلك على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: السعي فرض
مذهب الشافعي، وهو المشهور من مذهب مالك، ورواية عن الإمام أحمد أن السعي بين الصفا والمروة فرض؛ لقوله عليه السلام: (اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي)، رواه الدار قطني. و(كتب) بمعنى أوجب، كقوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} (البقرة:183)، قالوا: فمن ترك السعي، أو شوطًا منه، ناسيًا، أو عامدًا، رجع من بلده، أو من حيث ذكر إلى مكة، فيطوف، ويسعى؛ لأن السعي لا يكون إلا متصلًا بالطواف. فإن كان قد أصاب النساء، فعليه عمرة وهدي عند مالك مع تمام مناسك الحج. وقال الشافعي: عليه هدي، ولا معنى للعمرة إذا رجع وطاف وسعى.
ورجح الشيخ الصابوني القول بأن السعي فرض، فقال: "الصحيح قول الجمهور؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام سعى بين الصفا والمروة، وقال: (خذوا عني مناسككم) رواه البيهقي، والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم واجب، ودعوى من قال: إنه تطوع أخذًا بالآية غير ظاهر؛ لأن معناها كما قال الطبري: أن يتطوع بالحج والعمرة مرة أخرى".
المذهب الثاني: السعي واجب وليس فرضًا
مذهب أبي حنيفة والثوري أن السعي بين الصفا والمروة واجب وليس بفرض؛ واحتج الحنفية لذلك بأنه لم يثبت السعي بدليل قطعي الدلالة، فلا يكون فرضًا، بل واجبًا، قال الجصاص -وهو من الحنفية-: "هو عند أصحابنا من توابع الحج، يجزئ عنه الدم لمن رجع إلى أهله، مثل الوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار، وطواف الصَّدَر". فإن تركه أحد من الحاج حتى يرجع إلى بلاده جبره بالدم؛ لأنه سنة من سنن الحج. وهو قول مالك في "العتبية". ورجح صاحب "المغني" هذا القول، قال: "هو أولى؛ لأن دليل من أوجبه دلّ على مطلق الوجوب، لا على كونه لا يتم الواجب إلا به".
المذهب الثالث: السعي سنة
وذهب جماعة من السلف -وهو رواية عن الإمام أحمد - إلى أن السعي بين الصفا والمروة سنة. واستدل من قال بأن السعي تطوع، وليس بركنٍ ولا واجب بدليلين:
- أحدهما: قوله تعالى: {ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم}، فبيّن أنه تطوع، وليس بفرض ولا واجب، فمن تركه لا شيء عليه؛ عملًا بظاهر الآية.
- ثانيهما: حديث (الحج عرفة)، رواه أصحاب السنن إلا أبو داود، قالوا: فهذا الحديث يدل على أن من أدرك عرفة فقد تمّ حجه.
حكم الركض والسعي الشديد بين الميلين الأخضرين في أثناء السعي
واختلف أهل العلم في الركض والسعي الشديد بين الميلين الأخضرين في أثناء السعي؛ فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أخبار مختلفة؛ ومذهب الحنفية أنه مسنون، لا ينبغي تركه، كالرَّمل في الطواف، وروى سعيد بن جبير، قال: (رأيت ابن عمر يمشي بين الصفا والمروة، وقال: إن مشيت فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي، وإن سعيت فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى).
والمسنون أن يبدأ الساعي بالسعي من الصفا قبل المروة؛ فإن بدأ بالمروة قبل الصفا، فالمشهور عند أهل العلم أنه لا يُعتد بذلك الشوط حتى تكون البداية من الصفا، وروي عن أبي حنيفة أنه ينبغي له أن يُعيدَ ذلك الشوط، فإن لم يفعل، فلا شيء عليه، وجعله بمنـزلة ترك الترتيب في أعضاء الوضوء، فتارك الترتيب بين أعضاء الوضوء، تارك للسنة، ووضوؤه صحيح.
ويجزئ السعي بين الصفا والمروة راكبًا؛ لعذر ولغير عذر؛ لما روى جابر رضي الله عنه، قال: (طاف النبي صلى الله عليه وسلم في طواف حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة؛ ليراه الناس، ويسألوه)، وهذا مذهب الشافعي وأحمد، ومالك، إلا أن مالكًا استحب لمن سعى راكبًا من عذر أن يعيده إن زال عذره. وأوجب عليه الحنفية دمًا إن سعى راكبًا لغير عذر؛ لأن السعي بنفسه عند القدرة على المشي واجب، فإذا تركه فقد ترك الواجب من غير عذر، فيلزمه الدم، كما لو ترك المشي في الطواف من غير عذر.



