لماذا بدأ التاريخ الهجري بالمحرم رغم أن الهجرة كانت في ربيع؟.. تفاصيل السبب التاريخي
في تصريحات تلفزيونية حديثة، سلط الدكتور محمود الأبيدي، أحد علماء وزارة الأوقاف، الضوء على قصة وضع التاريخ الهجري للأمة الإسلامية، موضحًا أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو من أسس هذا النظام الزمني. وأشار إلى أن هناك سوء فهم شائع بين الناس، حيث يعتقد الكثيرون أن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقعت في شهر المحرم، بينما الحقيقة التاريخية تؤكد أنها حدثت في شهر ربيع، الذي شهد معظم أحداث الهجرة، على الرغم من أن بعض مقدماتها بدأت منذ المحرم.
الخلفية التاريخية لوضع التقويم الهجري
أوضح الدكتور الأبيدي أن فكرة التأريخ المنظم لم تكن موجودة في بدايات الدولة الإسلامية، حيث كانت المعاملات تُسجل بأحداث مثل "قبل الغزوة الفلانية" أو "بعد عام كذا". هذا الوضع دفع سيدنا عمر، بعد توليه الخلافة، إلى التفكير في إنشاء نظام زمني واضح يحدد بداية ونهاية العام، مما يحفظ هوية الأمة ويُنظم شؤونها.
اختيار الهجرة كبداية للتاريخ
وأضاف أن سيدنا عمر استشار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في اختيار الحدث الذي يبدأ به التاريخ، حيث طُرحت عدة آراء منها البدء بميلاد النبي، أو ببعثته، أو بوفاته، أو بفرض الصيام. في النهاية، استقر الرأي على الهجرة النبوية، باعتبارها الحدث الفارق في تاريخ الأمة، الذي نقلها من مرحلة الاستضعاف إلى بناء الدولة الإسلامية القوية.
سبب اختيار شهر المحرم كبداية للعام
وتابع الدكتور الأبيدي أن اختيار بداية العام بشهر المحرم لم يكن لأنه شهر وقوع الهجرة، بل لعدة أسباب مهمة. أولاً، المحرم هو من الأشهر الحرم، مما يضفي عليه قدسية خاصة. ثانيًا، يأتي بعد موسم الحج الذي يمثل ختامًا للعام الديني، مما يجعله نقطة انطلاق مناسبة لعام جديد. ثالثًا، يُعد من أفضل الشهور للصيام بعد رمضان، مما يشجع النفوس على بدء العام بطاعة وتجديد روحي.
ترتيب الشهور الهجرية وأهميته
وأشار إلى أن ترتيب الشهور الهجرية جاء منظمًا كما هو معروف: المحرم، صفر، ربيع الأول، ربيع الثاني، جمادى الأولى، جمادى الآخرة، رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة. هذا التنظيم رسّخ هوية زمنية واضحة للمسلمين، وساعد في تنظيم حياتهم الدينية والاجتماعية عبر القرون.
دلالات التجديد المنضبط في الإسلام
وبيّن الدكتور الأبيدي أن ما فعله سيدنا عمر يمثل نموذجًا رائعًا في التجديد المنضبط، حيث لم يكن مجرد اجتهاد عشوائي، بل جاء بعد مشاورة الصحابة ومراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية. وأكد أن هذا الرد يوجه إلى من يرفضون أي صورة من صور التجديد بحجة أنها لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى أن عمر نفسه قال عن جمع الناس على صلاة التراويح "نعمت البدعة هذه"، في إشارة إلى جواز ما يحقق مصلحة الأمة ولا يخالف أصول الدين.
أثر هذا الاجتهاد على الهوية الإسلامية
وأشار إلى أن هذا الاجتهاد العمري حفظ للأمة نظامها الزمني، ومنحها هوية واضحة تُقاس بها الأحداث والسنون. وهذا ما جعل المسلمين اليوم يقولون إنهم في العام الهجري كذا، نسبة إلى أعظم حدث في تاريخهم، وهو هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، مما يعزز الشعور بالانتماء والتراث الإسلامي الغني.



