فيلم 'السلم والثعبان' يثير عاصفة غضب ويكشف تخاذل الرقابة وازدواجية المعايير
عاصفة غضب ضد فيلم 'السلم والثعبان' وتخاذل الرقابة

عاصفة غضب عارمة تندلع بسبب فيلم 'السلم والثعبان - لعب عيال'

مع إعادة عرض فيلم 'السلم والثعبان - لعب عيال' رقميًا، تفجرت حالة من الغضب غير المسبوق ضد صُناع الفيلم الذي طُرح للعرض السينمائي في نوفمبر الماضي. سبب هذا الغضب يرجع إلى عدد من الجمل الحوارية التي تجاوزت حدود المسموح والمتعارف عليه في الأعمال الفنية، مما دفع عددًا كبيرًا من المتابعين ونشطاء الفضاء الإلكتروني إلى التساؤل عن سر التساهل في تمريره رقابيًا دون التدخل بالحذف أو طلب التعديل.

محتوى الفيلم يثير الاستياء والرفض الشعبي

الفيلم يحوي عددًا من المشاهد الخادشة والعبارات المبتذلة التي لا تخدم فكرته الأساسية، والتي قد تكون جيدة ووجيهة، ولكن تنفيذها ضل الطريق. هذا الانحراف انعكس في حالة الرفض الشعبي لمثل هذه النوعية من الأعمال الفنية التي تسيء إلى السينما المصرية والمجتمع المصري معًا. حقيقة الأمر أن هذا الفيلم –الذي عُرض سينمائيًا في بعض الدول العربية– ليس صاحب السبق في الترويج لما يمكن وصفه بـ'الحوار البذيء'، فقد سبقته أفلام مشابهة اعتمدت على هذا الأسلوب المتدني جدًا، باعتباره 'نقلًا للواقع'.

هذا الحق يُراد به باطل، فهل كل واقع وأي واقع صالح للنقل السينمائي؟ ولماذا يكون الواقع الذي يزعم بعض صُناع السينما نقله في أفلامهم مبتذلًا زاعقًا منفرًا؟ ولماذا لا تكون السينما رافضة للواقع السيئ وتعمل على تغييره وليس مجاراته وتضخيمه؟

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

طارق العريان في قلب العاصفة

فيلم 'ولاد رزق' – بجزئيه الأول والثاني– كان مُتخمًا بالألفاظ الخادشة أيضًا. حتى فيلم 'الخلية' –رغم أهميته– لم يخلُ من هذا العوار الفني. أما الرابط في الأفلام الثلاثة فهو المخرج الفلسطيني طارق العريان. الغريب أن المخرج الشهير صاحب الجنسية الأمريكية انتفض مدافعًا عن فيلم 'السلم والثعبان –لعب عيال' أمام هذا الهجوم الضاري، بالتأكيد على أن هذه الانتقادات غير منطقية، ومُبالغ فيها، ولا تعكس طبيعة العمل، زاعمًا أنه ينتمي إلى الأفلام الرومانسية، ويخلو من أي جرأة!

'العريان' الذي بدأ حياته الفنية بإخراج مجموعة من الكليبات 'العارية' لعدد من نجوم الغناء المصريين والعرب يبدو أنه يعيش بمعزل عن المصريين الحقيقيين الذين لا تسيطر على حواراتهم وأحاديثهم (طوال الوقت) العبارات الإيحائية والألفاظ الساقطة!

مقارنات تاريخية تكشف الانحدار

أفلام المقاولات التي غزت السينما المصرية في ثمانينات القرن الماضي – رغم كل مساوئها وفجاجتها وسطحيتها المفرطة– لم تسقط في هذا الفخ، ولم تتخذ من الانحدار الأخلاقي طريقًا للانتشار. كما إن كثيرًا من المخرجين الذين اشتهروا بتقديم الأفلام المهمة والجريئة عبر تاريخ السينما المصرية لم يركنوا إلى هذا الاستسهال، بل كانوا يميلون إلى الرمز للتعبير عن بعض المشاهد واللقطات التي يتطلبها السيناريو وتحتاجها الحبكة الدرامية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

كما فعل المخرج الراحل صلاح أبو سيف في فيلم 'شباب امرأة'، وغيره من كبار المخرجين المؤثرين الباحثين عن القيمة الفنية، وليس مغازلة شباك التذاكر وفئة معينة من الشباب والمراهقين!

ازدواجية المعايير في مفهوم الجرأة

وعلى ذكر 'الجرأة'، يبدو أن هناك فهمًا مغايرًا لها من زمان إلى زمان آخر. ربما كانت الجرأة في فترات سابقة يُقصد بها خوض قضايا شائكة تهم قطاعات كبيرة من المجتمع والعمل على طرح حلول جذرية لها، فيما أصبحت الجرأة –كما جاءت على لسان بطل الفيلم عمرو يوسف– مرادفة لاستخدام عبارات ومفردات غارقة في القبح والإيحائية.. يا للهول!

ورغم أن فيلمًا مثل: 'نادي الرجال السري' للمخرج خالد الحلفاوي ناقش نفس فكرة فيلم 'السلم والثعبان –لعب عيال' إلا إنه نأى بنفسه عن هذا الابتذال وابتعد عن أية تجاوزات لفظية صارخة. جدير بالذكر أن كريم عبد العزيز بطل 'نادي الرجال السري' رفض بطولة 'السلم والثعبان- لعب عيال'، كما رفضه نجوم ونجمات الصف الأول؛ ربما لما لمسوه فيه من انحراف حاد لا يليق بتاريخهم الفني، ولا بأحاديث وتوجيهات رئاسية سابقة تطالب بالارتقاء بالأعمال الفنية والابتعاد عن الإسفاف والانحدار الفني.

تخاذل الرقابة واختلاف المعايير

المثير في الأمر أن نقادًا وكتابًا كثيرين ممن يرفضون مصطلح 'السينما النظيفة' الذي برز في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وظلوا يهاجمونه طوال السنوات الماضية، انتقدوا فيلم طارق العريان، واندهشوا من تمرير هيئة الرقابة على المصنفات الفنية لحوار الفيلم بكل ما فيه من خروج عن مقتضيات الأعمال الفنية؛ لا سيما أن الرقابة استأسدت على فيلم 'سفاح التجمع' –بغض النظر عن جودته وقيمته الفنية– وسحبته من دور العرض لتنفيذ بعض ملاحظاتها، قبل أن تعيده مرة أخرى.

أفلام طارق 'العريان' ربما لا تكون استثناءً في الانحراف عن الابتذال اللفظي؛ فمعظم أفلام 'السبكي' لا تخلو من هذا الإسفاف، ولكن تبقى الجرعة في أفلام المخرج الفلسطيني-الأمريكي أكبر وأكثر مما يحتمله أي عمل فني جيد يناسب العرض السينمائي وعبر المنصات وشاشات التليفزيون؛ وربما كان ذلك سببًا مباشرًا في تحريك دعاوى قضائية من جهات حكومية وأفراد ضد صُناع الفيلم: منتجًا ومخرجًا ومؤلفًا وممثلين!!

السينما بين الرسالة الجادة والابتذال التجاري

يبدو أن 'العريان' يجهل الرسالة الجادة والحقيقية للسينما، باعتبارها أداة قوية للتأثير الثقافي والاجتماعي، تعمل كقوة ناعمة تشكل القيم، تُهذب السلوك، وتوثق التاريخ، وتتجاوز مجرد فكرة الترفيه والتسلية لتكون وسيلة لنقل المعرفة، وتجسيد قضايا إنسانية، موثقةً تحولات المجتمع ومقاومة التحديات من خلال القوة البصرية. السينما تعتبر رافدًا أساسيًا للثقافة العامة ومحسنًا للسلوك، وليست مجرد سبوبة لحصد الإيرادات أو محاكاة واقع رديء، سواء كان حقيقيًا أو من خلال صُناع الفيلم.