عبد العظيم عبد الحق.. رحلة ملحن ثائر من أبو قرقاص إلى قصور الملكة
في مثل هذا اليوم، الثالث من أبريل عام 1993، رحل الملحن والموسيقار المصري عبد العظيم عبد الحق، تاركاً وراءه إرثاً فنياً غنياً اتسم بالإبداع والجدل. ولد عبد العظيم عبد الحق في عام 1905 بمدينة أبو قرقاص بمحافظة المنيا، حيث نشأ في بيئة محافظة، لكن شغفه المبكر بالفن قاده إلى مسار مختلف تماماً عن أشقائه الذين أصبحوا وزراء في الحكومة.
بدايات متواضعة ورفض للتقليد
منذ طفولته، التحق عبد العظيم عبد الحق بكتاب القرية، حيث حفظ القرآن الكريم كاملاً وتعلم تجويده. ومع ذلك، كانت عائلته ترى في شغفه بالموسيقى والتمثيل انحرافاً عن القيم، حيث أطلقوا عليه لقب "بتاع الغوازي"، في إشارة إلى نظرة المجتمع السلبية للفن في ذلك الوقت. رفض عبد العظيم دراسة الحقوق كما فعل شقيقاه عبد الحميد باشا عبد الحق وعبد المجيد باشا عبد الحق، وفضل الهروب إلى القاهرة ليعيش حلمه الفني.
من كورس المسرح إلى ألحان الإذاعة
في القاهرة، انضم عبد العظيم عبد الحق إلى فرقة أمين صدقي المسرحية، حيث عمل في الكورس وتتلمذ على يد عمالقة الموسيقى مثل الشيخ محمود صبح والشيخ زكريا أحمد. التحق لاحقاً بالمعهد العالي للموسيقى المسرحية، وتخرج عام 1950، ليبدأ مشواره المهني كموظف حكومي في وزارة الشؤون الاجتماعية، ثم وزارة العمل، قبل أن يستقيل ويتفرغ تماماً للفن.
قدم عبد العظيم عبد الحق أول ألحانه في الإذاعة الأهلية، المعروفة آنذاك باسم محطة مصر الملكية. ومن خلال تجربته، تمكن من دخول المعهد العالي للموسيقى، حيث كان من زملائه في الدفعة إسماعيل شبانة وكمال الطويل وعبد الحليم حافظ. في تلك الفترة، كان يعمل مديراً لمكتب وزير التموين براتب 20 جنيهاً، لكن شغفه بالفن ظل يدفعه للأمام.
علاقة خاصة مع الملكة نازلي واتهامات بالسرقة
أعجبت الملكة نازلي، والدة الملك فاروق، بصوت عبد العظيم عبد الحق وألحانه، لدرجة أنه أصبح مطربها الخاص لمدة أربع سنوات في أوائل الثلاثينيات. هذه العلاقة القوية مع القصر الملكي منحته مكانة فريدة، لكنها لم تمنع تعرضه لانتقادات واتهامات لاحقة. حيث اتهم عبد العظيم عبد الحق الموسيقار محمد عبد الوهاب بسرقة بعض ألحانه، في حادثة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الفنية المصرية.
إسهامات فنية متنوعة وأعمال خالدة
على مدار مسيرته، قدم عبد العظيم عبد الحق العديد من الألحان البارزة، منها أغنية "يام التوب أخضر ليموني" للمطرب سيد إسماعيل، ونشيد ديني بعنوان "بشاير من الحبيب هلت". كما لحن لكارم محمود أغنية "لحن الصيادين"، حيث كان يتقاضى ثمانية جنيهات لكل لحن في بداياته.
ومن أشهر أعماله الأغاني الشعبية مثل "تحت الشجر يا وهيبة" و"وحده ما يغلبها غلاب". كما وضع الموسيقى التصويرية لعدد من المسلسلات التلفزيونية، منها "هارب من الأيام"، "الضحية"، "الرحيل"، "الساقية"، وآخرها "الشهد والدموع". وفي مجال السينما، مثل في فيلم "يحيا الحب" مع محمد عبد الوهاب، حيث ظهر في ثماني مشاهد فقط.
دور في شهرة عبد الحليم حافظ
يروي عبد العظيم عبد الحق قصة مثيرة حول دور غير مباشر في شهرة المطرب عبد الحليم حافظ. فبعد قيام ثورة 1952، طلب رجال الثورة من فريد الأطرش أن يكون مطرب الثورة، لكنه اعتذر بسبب علاقته بالملكية. عندها، اقترح حافظ عبد الوهاب اسم عبد الحليم حافظ، الذي كان شاباً صغيراً آنذاك، قائلاً إنه أفضل من فريد، مما ساهم في انطلاق مسيرة عبد الحليم كـ"مطرب الثورة".
رحل عبد العظيم عبد الحق تاركاً وراءه تاريخاً حافلاً بالإنجازات والتحديات، حيث يظل اسمه مرتبطاً بفترة ذهبية من الفن المصري، مليئة بالإبداع والصراعات التي شكلت وجه الموسيقى العربية.



