أيقونة الوداع: قصة أغنية "والله لسه بدري والله يا شهر الصيام" التي تحولت إلى رمز للحسرة والفرحة
مع اقتراب نهاية شهر رمضان المبارك، تبدأ الإذاعات والتلفزيونات في جميع أنحاء العالم العربي في إذاعة أغنية "والله لسه بدري والله يا شهر الصيام"، التي أصبحت أيقونة لا تنافس في التعبير عن الحسرة والفرحة بقدوم وداع الشهر الكريم. هذه الأغنية، التي كتب كلماتها الشاعر عبد الفتاح مصطفى ولحنها الموسيقار عبد العظيم محمد وغنتها المطربة شريفة فاضل، تحمل قصة فريدة بدأت في عام 1960 ولا تزال تتردد حتى اليوم.
بداية القصة: من خواطر حزينة إلى تحفة فنية
يروي الشاعر عبد الفتاح مصطفى في حوار له مع مجلة روز اليوسف في رمضان عام 1965، أنه شعر بحسرة عميقة على قرب نهاية شهر رمضان في أحد الأعوام، فكتب كلمات الأغنية كخواطر تعبر عن حزنه. قام بعرض هذه الكلمات على الإذاعي وجدي الحكيم، الذي كان يعمل مراقباً للموسيقى والغناء بالإذاعة المصرية، واتفقا على أن يلحنها الموسيقار عبد العظيم محمد. تجلت عبقريته في التلحين، حيث حول الوداع إلى لحظة بهجة وفرحة، واختارا معاً المطربة شريفة فاضل لأداء الأغنية.
التنازل عن الأجر: إكراماً لشهر رمضان
من اللافت في قصة هذه الأغنية أن الشاعر عبد الفتاح مصطفى والمطربة شريفة فاضل، التي كانت في بداياتها الفنية، تنازلا عن أجرهما عن الأغنية، والذي كان 15 جنيهاً لكل منهما. أما الملحن عبد العظيم محمد، فكان أجره 35 جنيهاً عن اللحن، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت مقارنة بأغانٍ أخرى، وذلك إكراماً لشهر رمضان الكريم. هذا التنازل يعكس الروحانية والتقدير الخاص لهذا الشهر.
تسجيل الأغنية ونجاحها المستمر
بعد أن أصبحت الأغنية جاهزة، فتح وجدي الحكيم ستوديو 46 بالإذاعة المصرية، ودعا شريفة فاضل لحفظ الكلمات والتدريب على اللحن. خلال ثلاثة أيام فقط، حفظت الأغنية وسجلتها بحضور الشاعر عبد الفتاح مصطفى، الذي أعرب عن إعجابه بلحن العمل وصوت شريفة. بدأت الإذاعة المصرية والبلاد العربية في إذاعة الأغنية في الثلث الأخير من رمضان، معلنةً عن ختام الشهر، وحققت نجاحاً كبيراً مستمراً منذ منتصف الستينات وحتى الآن.
ذكريات شريفة فاضل: الصدفة والامتنان
في مقابلة مع مجلة صباح الخير عام 1960، قالت المطربة شريفة فاضل إنها رشحها وجدي الحكيم للأغنية، ولم يكن مخططاً أن تغنيها، حيث كانت الإذاعة توزع الأغاني على المطربين وكانت هي مطربة جديدة. أضافت: "جاءت الأغنية من نصيبي بالصدفة؛ فالله عز وجل هو الذي يوزع الرزق. يكفيني أنه لا ينافسني أحد في الوداع، وأن تكون لي أغنية دينية شهيرة يرددها الناس في هذا الشهر الكريم".
كلمات الأغنية: تعبير عن الحسرة والفرحة
تتضمن كلمات الأغنية مشاعر مختلطة من الحسرة على فراق رمضان والفرحة بقدوم العيد، مثل: "تم البدر بدري.. والأيام بتجري.. والله لسه بدري، والله يا شهر الصيام.. حيانا هلالك.. ردينا التحية.. سهّانا جماله.. بالطلعة البهية.. بفرحة سلامك.. ولا وداع صيامك.. يا ضيف وقته غالي.. وخطوة عزيزة.. حبك حب عالي.. في الروح والغريزة.. أيامك قليلة.. والغيبة طويلة.. ع الصبر الجميل.. لسه بدرى حبه.. يتملوا الأحبة.. والله لسه بدري والله.. يا شهر الصيام".
استمرار الإرث: أيقونة لا تنافس
رغم مرور أكثر من ستين عاماً على إذاعة الأغنية، إلا أنها لا تزال الأغنية الرسمية التي تعبر عن قرب انتهاء شهر رمضان، وتُسمى بـ "أيقونة الوداع". تتردد على الألسنة والإذاعات في العالم العربي، كتعبير عن الحسرة على قرب انتهاء الشهر الكريم. سجلت شريفة فاضل أيضاً كليباً للتلفزيون المصري من إخراج يحيى زكريا، مما عزز من انتشارها.
في النهاية، تظل أغنية "والله لسه بدري والله يا شهر الصيام" شاهداً على تراث فني غني، يجمع بين العاطفة الصادقة والإبداع الموسيقي، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من طقوس وداع رمضان في الثقافة العربية.
