سيد مكاوي: عبقرية موسيقية ولدت من رحم المعاناة والإصرار
في مثل هذا اليوم، نستذكر رحيل الموسيقار المصري سيد مكاوي، الذي رحل عام 1997 عن عمر يناهز السبعين عاماً، تاركاً وراءه إرثاً فنياً غنياً يتردد صداه حتى اليوم. ولد سيد مكاوي، الملقب بالشيخ سيد، في عام 1928 بحي الناصرية بالسيدة زينب، حيث شكلت طفولته القاسية أساساً لمسيرته الفنية الاستثنائية.
بداية مشواره: من القرآن إلى الموسيقى
فقد سيد مكاوي بصره في سن مبكرة بسبب وصفة شعبية، مما دفع أسرته إلى إلحاقه بالكتاب لتحفيظ القرآن الكريم. كان يؤذن للصلاة في مسجد أبو طبل ومسجد الحنفي، مما زرع فيه حب النغم والإيقاع. التحق لاحقاً بمعهد الموسيقى، حيث استوعب تراث الرواد مثل عبده الحامولي ومحمد عثمان وداود حسني وسيد درويش، ليشكل ذلك قاعدة صلبة لإبداعاته المستقبلية.
رحلة الغناء والتلحين: من التراث إلى الابتكار
أحب سيد مكاوي الطرب منذ صغره، وبدأ مشواره كمطرب في الإذاعة المصرية في بداية الخمسينيات، حيث غنى أغاني التراث الشرقي من أدوار وموشحات على الهواء مباشرة. ومن مفارقات القدر، أن أول أغانيه المسجلة بالإذاعة لم تكن من ألحانه، بل من تلحين صديقه عبد العظيم عبد الحق بعنوان محمد، ثم أغنية تونس الخضرا لأحمد صدقي، وهما الأغنيتان الوحيدتان اللتان غناهما من ألحان غيره.
بعد ذلك، اقتحم عالم التلحين بقوة، حيث قدم ألحاناً لكبار المطربين. كان له الفضل في وضع أساس للأغاني الجماعية بالإذاعة، حيث لحن أغنية آمين آمين يا رب الناس للشاعر محمود حسن إسماعيل. كما برع في تقديم مقدمات التمثيليات الإذاعية وغنى أغاني تراثية خالدة.
أشهر إبداعاته: من الليلة الكبيرة إلى أم كلثوم
من أبرز إنجازات سيد مكاوي مشاركته في تلحين وغناء أجزاء من أوبريت الليلة الكبيرة مع صديقه الشاعر صلاح جاهين، الذي عبر عن احتفالات المولد النبوي. كما قدم مع جاهين مسرحية الحرافيش ولحن أغاني مسرحية مدرسة المشاغبين.
تعتبر قمة إبداعاته تلحينه لأغنية يامسهرني لسيدة الغناء العربي أم كلثوم، حيث اشترط أن يكون الشاعر أحمد رامي، ابن منطقته، ورفض استخدام الأورج والجيتار للحفاظ على الأصالة الشرقية. كما برع في تقديم المسحراتي مع الشاعر فؤاد حداد، ولحن أغنيته الشهيرة الأرض بتتكلم عربي.
شهادات في حقه: من خيري شلبي إلى الجمهور
في كتابه صحبة العشاق، كتب الأديب خيري شلبي فصلاً عن سيد مكاوي، وصفه فيه بأنه ابن الحارة المصرية بكل زخمها ودفئها، مشيراً إلى أنه ورث عن أمه خفة الظل وموهبة النكتة، رغم إصابته بالعمى. نشأ سيد مكاوي مفطوراً على حب الحياة والفن، حيث حفظ ألحان الشيخ زكريا أحمد كتدريبات صوتية أهلته للغناء الديني.
رحل سيد مكاوي تاركاً وراءه إرثاً من الأغاني الخالدة مثل أوقاتي بتحلو وليلة امبارح مجنيش نوم ومبروك عليك يا معجباني، والتي لا تزال تتردد في قلوب عشاق الموسيقى العربية، شاهدة على عبقرية رجل حول المعاناة إلى فن خالد.



