قصة أغنية "رمضان جانا".. كيف تحولت إلى أيقونة رمضانية تفوق بيان المفتى؟
قصة أغنية "رمضان جانا".. أيقونة رمضان منذ 83 عامًا

قصة أغنية "رمضان جانا".. كيف تحولت إلى أيقونة رمضانية تفوق بيان المفتى؟

تعد أغنية "رمضان جانا" واحدة من أشهر الأغنيات الشعبية التي ارتبطت باستقبال شهر رمضان المبارك في مصر والعالم العربي، حيث تحمل قصة غنية بالتفاصيل والتطورات على مدى أكثر من ثمانية عقود.

بداية الرحلة: من مطرب مغمور إلى نجمة الإذاعة

تعود أصول الأغنية إلى عام 1362 هـ الموافق 1943، عندما كتب كلماتها الشاعر حسين طنطاوى، ولحنها في البداية الموسيقار سيد مصطفى، وغناها مطرب مغمور يدعى محمد شوقى. إلا أن الأغنية لم تحقق النجاح المأمول في ذلك الوقت، وسط سطوة أغنية "وحوى يا وحوى" للمطرب أحمد عبد القادر.

لم يستسلم حسين طنطاوى، فدفع بالأغنية إلى الملحن محمود الشريف، صاحب لحن نشيد "الله أكبر"، لإعادة تلحينها، على أمل أن يغنيها أحمد عبد القادر، الذي كان نجمًا لامعًا في ذلك الحين.

التنازل التاريخي: من أحمد عبد القادر إلى محمد عبد المطلب

في مفارقة تاريخية، رفضت الإذاعة المصرية أن يغني أحمد عبد القادر أكثر من أغنية عن رمضان، فقرر التنازل عن "رمضان جانا" لصالح المطرب محمد عبد المطلب، الذي كان يمر بضائقة مالية شديدة. تقاضى عبد المطلب مقابل الغناء ستة جنيهات فقط، من أصل عشرين جنيهاً كلفت بهم الإذاعة للمشروع.

يقول الإذاعي وجدي الحكيم في روايته: "عهدت الإذاعة إلى أحمد عبد القادر بفترة 'الركن'، وطلب أن يغني بنفسه الأغنيتين، لكن المسئولين رفضوا وطلبوا منه أداء أغنية واحدة وإشراك مطرب آخر. فغنى 'وحوى يا وحوى'، وتنازل عن 'رمضان جانا' لمحمد عبد المطلب."

التسجيل والنجاح: أسبوع من البروفات في معهد الموسيقى

استغرق تسجيل الأغنية أسبوعًا كاملاً من البروفات المكثفة في حديقة معهد الموسيقى العربية بشارع رمسيس، بمشاركة فرقة موسيقية وكورال. غنى محمد عبد المطلب الأغنية بصوته الجميل مرتديًا الجلابية البلدي والطربوش، مما أضفى عليها طابعًا شعبيًا أصيلاً.

يصف الشاعر الصحفي مصطفى الضمرانى لحن محمود الشريف بأنه "تجلى في المقطع الذي يقول: 'بتغيب علينا وتهجرنا وقلوبنا معاك.. وفي السنة مرة تزورنا وبنستناك'"، مشيرًا إلى تفاعل عبد المطلب العميق مع الكلمات والألحان.

أيقونة رمضان: أشهر من بيان المفتى

بعد اعتماد محمد عبد المطلب مطربًا بالإذاعة، اختار مسئول الغناء محمد الشجاعي أغنية "رمضان جانا" لتكون الأغنية الرمضانية التي تبث قبل قدوم الشهر الكريم بأيام. حققت الأغنية نجاحًا كبيرًا منذ بثها في بداية الخمسينيات، وتربعت على عرش الغناء الشعبي.

علق محمد عبد المطلب على نجاح الأغنية قائلاً: "أغنيتي أهم من بيان المفتى، ولو أنني أخذت جنيهاً واحداً على كل مرة تُذاع فيها الأغنية لأصبحت مليونيراً." كما وصفها بأنها تبعث في النفس الفرحة والبهجة، مما جعلها الأيقونة الأولى لشهر رمضان.

الندم والحكايات: أحمد عبد القادر يندم على التنازل

رغم النجاح الكبير الذي حققته الأغنية، يروى أن أحمد عبد القادر ندم ندماً شديداً على تنازله عنها، خاصة بعد أن أصبحت من أشهر الأغنيات الرمضانية على الإطلاق. ومع ظهور العديد من الأغنيات الرمضانية لاحقاً، بقيت "رمضان جانا" الأغنية الأساسية التي يستقبل بها المسلمون شهر الصيام.

اليوم، بعد 83 عاماً على ميلادها، لا تزال الأغنية تحتفظ بمكانتها كرمز للبهجة والتراث الرمضاني، متخطية بذلك كل التوقعات لتكون أشهر إعلان عن قدوم الشهر الكريم.