محمود السعدني يكتب عن معاناته من برد الشتاء في شهر رمضان
في مجلة صباح الخير عام 1962، نشر الكاتب الساخر محمود السعدني مقالًا بعنوان "ياليالى رمضان المباركة" ضمن باب "على باب الله"، حيث تحدث عن تجربته الشخصية مع شهر رمضان في ظل برد الشتاء القارس.
شكوى من برد الشتاء وأثره على الصحة
قال السعدني: "نحن في شهر رمضان وفات الشتاء ــ أو ظننا أنه فات ــ لكنه أهدانا منذ أيام بالعواصف والبرد الشديد"، مشيرًا إلى أن درجات الحرارة وصلت إلى مستويات الصيف رغم اقتراب الربيع. وأضاف ساخرًا: "الله يلعن البرد وسنينه اللى هرس عظامى ودغدغ ركبى ودشدش لى راسى ودوخنى السبع دوخات وأفقدنى السمع والحس والبصر وتركنى حطاما محطوما حتى بت لا أفرق بين شعر أخونا عبد المعطى حجازى وشعر ملك اليمن".
اختلاف رمضان مع الفصول
أوضح السعدني أن حبه لشهر رمضان يختلف حسب الفصل، قائلًا: "والله يلعن البرد الفظيع فقد حرمنى من رمضان وأنا أحب رمضان.. لكن رمضان في الصيف يختلف عن رمضان في الصقيع، ولو كنت من سكان الإسكيمو لما كان لرمضان في نفسي أي معنى ولا مغزى ولا كان له مني كل هذا الاهتمام".
تفضيل الصيف لأسباب فسيولوجية ونفسية
أعرب السعدني عن حبه للصيف، مشيرًا إلى أسباب فسيولوجية ونفسية، وقال: "أنا في حجم المرحوم غاندى ولم يحدث أن أكلت عيش من عرق جبينى فأنا لا أعرق على الإطلاق وأشعر بالبرد يفرى عظامى في عز الصيف، والأطباء لا يعرفون لذلك سببا".
تفسير صديقه عبد الحميد قطامش لشعوره بالبرد
ذكر السعدني أن صديقه المحامي عبد الحميد قطامش قدّم تفسيرًا لشعوره الدائم بالبرد، حيث قال: "يُفسر قطامش ظاهرة إحساسي الدائم بالبرد إلى أنني كنت ألعب في الحارة أيام الطفولة بلا ثياب فنفذت إلى عظامي كمية كبيرة من البرد وعششت داخل جسمي وكرنكت على رأى الجبرتى في القفص الصدرى وفى السبت البطنى ولم تخرج منها".
استمرار تأثير برد الطفولة
أضاف السعدني: "وإنني بالرغم من البطاطين والملابس الصوف التي أرتديها على جسمي الهزيل لا يزال البرد يزغزغنى ويطاردنى، وإنني مهما طال بي العمر سأموت وأنا أحمل نفس كمية برد أيام الطفولة العارية".
مشهد مضحك في رمضان
وصف السعدني كيف قضى شهر رمضان في داره، قائلًا: "لهذه الأسباب لزمت دارى في شهر رمضان المبارك على كنبة، رأسى ملفوفة بخيشة وعلى كتفى لحاف وحول وسطى الشين وفى قدمى شراب صوف كان يستعمله العساكر الأمريكان في الحرب العالمية الأخيرة.. وعندما ألقيت نظرة على نفسي في المرآة وجدت عينين حمراوين وذقنى نابتة وحواجبى منتوفة ووجهى شاحب من المرض قهقهت جدا من منظرى وانبسطت لقد كان منظرى مضحكا".
تأثير البرد على صحته وقراءته لنجيب محفوظ
قال السعدني: "أصابنى البرد اللعين فلم أصبح أكثر من مريض، فلم تشفع لي جميع الأدوية ولم تنفع العقاقير ولم أنهض من فراشى إلا بعد ليلة حافلة مع كتاب نجيب محفوظ اللص والكلاب". وأشاد بالكاتب نجيب محفوظ، قائلًا: "إنه صاروخ أدبي وقنبلة انطلق كاتبها يحلق في السماوات العلى".
دعوة لترشيح نجيب محفوظ لجائزة نوبل
تحدث السعدني عن عالمية نجيب محفوظ، قائلًا: "نجيب محفوظ الآن كاتب عالمي، إنه هوارد فاست الأمريكي، والبرتومورافيا الإيطالي، ومول كراج الهندي". ودعا الأدباء إلى التكاتف لترشيحه لجائزة نوبل، مضيفًا: "علينا أن نتكتل ونتحمس ونرشحه لجائزة نوبل وأدعوكم لترشيحه للجائزة، لأنه إن فاز فسيكون فوزًا لكل منا نحن الذين أنكرنا العالم طويلًا ينبغي أن نخرج الآن لنحتل مكاننا تحت الشمس.. ومن هنا يا حضرات الأدباء أدعوكم جميعًا إلى هذا الأمر".
