هيئة الكتاب تصدر كتاب «عوالم على حافة الواقع» لفلسفة المحاكاة الحاسوبية
هيئة الكتاب تصدر كتاب «عوالم على حافة الواقع»

هيئة الكتاب تصدر كتاب «عوالم على حافة الواقع» لفلسفة المحاكاة الحاسوبية

أعلنت الهيئة المصرية العامة للكتاب عن إصدار كتاب جديد بعنوان «عوالم على حافة الواقع.. فلسفة علم المحاكاة الحاسوبية»، للدكتور مينا سيتي يوسف، في خطوة ثقافية تهدف إلى استكشاف التحولات الجذرية التي أحدثتها المحاكاة الحاسوبية في مجالي العلم والفلسفة معًا، وإعادة طرح التساؤلات القديمة حول مفهوم «الواقع» في ظل الثورة الرقمية المعاصرة.

المعرفة في عصر المحاكاة: من أداة تقنية إلى حقل معرفي مستقل

ينطلق الكتاب من فرضية أساسية مفادها أن المحاكاة الحاسوبية لم تعد مجرد أداة تقنية يستخدمها الباحثون في المختبرات العلمية، بل تحولت إلى حقل معرفي مستقل بذاته، وإلى منهج جديد في التفكير وفهم الظواهر الكونية والإنسانية. ففي عصرنا الحالي، حيث تتداخل الخوارزميات مع الخيال الإبداعي، وتتحول الشاشات إلى نوافذ تطل على عوالم موازية، أصبح العالم الافتراضي مختبرًا كونيًا تُجرى فيه التجارب دون تكاليف مادية أو بشرية مباشرة، وتُختبر فيه الفرضيات عبر نماذج رقمية تحاكي الواقع وتعيد تشكيله باستمرار.

ويطرح المؤلف مجموعة من الأسئلة الفلسفية العميقة المرتبطة بطبيعة المعرفة في عصر المحاكاة، مثل:

  • كيف تحولت المحاكاة من وسيلة تجريبية إلى نمط تفكير سائد؟
  • هل يمكن اعتبار نتائج التجارب الرقمية معرفة علمية مكتملة وموثوقة؟
  • ما حدود الموضوعية العلمية حين يكون «المعمل» مجرد شيفرة برمجية معقدة؟

كما يتناول الكتاب التأثير البالغ للواقع الافتراضي على العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية، حيث تلتقي الفيزياء بعلم الاجتماع، والبيولوجيا بالأنثروبولوجيا، ضمن إطار نماذج افتراضية تسعى إلى فهم الإنسان والكون في آن واحد.

الجذور الفلسفية للمحاكاة وتأثيرها على البحث العلمي

يستعيد الكتاب الجذور الفلسفية التاريخية لفكرة المحاكاة، بدءًا من أسطورة الكهف عند أفلاطون، حيث اعتبرت المحاكاة مجرد ظل للحقيقة المطلقة، مرورًا بتصورات أرسطو الذي رأى في «المحاكاة» وسيلة للفهم وإعادة التشكيل المعرفي، وصولًا إلى التحولات الكبرى في عصر الثورة العلمية، حين أصبحت النماذج الرياضية والافتراضية أدوات أساسية لتفسير العالم.

كما يتوقف العمل عند أطروحات الفلسفة المعاصرة، خاصة لدى جان بودريار الذي تحدث عن «عصر المحاكيات» حيث تختلط الحدود بين الأصل والنسخة، وكذلك فرضية المحاكاة الكونية التي طرحها نك بوستروم، والتي تذهب إلى احتمال أن يكون الكون ذاته محاكاة متقدمة تقوم بها حضارة أخرى.

ويؤكد الكتاب أن المحاكاة الحاسوبية قد غيرت طبيعة البحث العلمي جذريًا، إذ لم يعد العلم قائمًا فقط على الملاحظة والتجربة المباشرة، بل بات يعتمد بشكل كبير على النموذج الرقمي الذي يختبر الفرضيات قبل تحققها الواقعي. وفي هذا السياق، يناقش المؤلف مفهوم «الصدق التجريبي» داخل البيئات الافتراضية، ومدى إمكان اعتبار النتائج الرقمية امتدادًا للحقيقة العلمية أو انزياحًا عنها.

«عوالم على حافة الواقع»: دعوة للتأمل في علاقتنا بالعالم الرقمي

كتاب «عوالم على حافة الواقع» لا يقدم دليلًا تقنيًا لبرمجة النماذج الحاسوبية، بل يطمح إلى تبسيط الإطار الفلسفي للمحاكاة، وفتح أفق تأملي أمام القارئ للتفكير في علاقتنا بالعالم الذي نصنعه بأيدينا الرقمية. فالكتاب يرى أن الإنسان دخل مرحلة جديدة من تاريخه المعرفي؛ لم يعد فيها مجرد متلقي للواقع فحسب، بل صانعًا لنسخ متعددة منه، يتأمل عبرها ذاته والكون بأسره.

بهذا الطرح الثري، يضع الإصدار الجديد سؤالًا مفتوحًا في قلب النقاش الثقافي المعاصر: هل تقربنا المحاكاة من الحقيقة المطلقة، أم تضعنا أمام احتمالات لا نهائية من العوالم الممكنة التي تزيد من تعقيد فهمنا للوجود؟