صالح مرسي في ذكرى مولده: حكاية أديب رفض لقب "عميد الجاسوسية" وصنع ذاكرة البطولات المصرية
في مثل هذا اليوم، 17 فبراير من عام 1929، ولد الكاتب والأديب المصري البارز صالح مرسي في مدينة كفر الزيات، ليرحل عن عالمنا في عام 1996 عن عمر ناهز 67 عامًا، تاركًا إرثًا أدبيًا غنيًا رغم تحفّظه على الألقاب التي أُطلقت عليه.
بداية الرحلة: من الفلسفة إلى البحرية ثم الأدب
درس صالح مرسي الفلسفة في الجامعة، ثم تطوع في سلاح البحرية، حيث بدأت ميوله الأدبية تظهر مع قراءته لروايات نجيب محفوظ. في إحدى مقولاته، قال مرسي: "كانت رواية نجيب محفوظ 'بداية ونهاية' هي كلمة السر التي فتحت لي مغاليق نفسي، وجاءت 'زقاق المدق' لتغير مجرى حياتي وأنا عمري 21 عامًا، فكان لنجيب محفوظ تأثير قوي في نظرتي إلى الأدب ووظيفته".
الانطلاق الصحفي والمجموعة القصصية الأولى
بدأ مرسي حياته المهنية صحفيًا في مجلات مثل الهدف والرسالة الجديدة ومجلة صباح الخير، حيث نشر مجموعته القصصية الأولى بعنوان "الخوف"، التي تم ترشيحها لجائزة الدولة، لكن اعتراض بعض الأدباء على استخدام العامية في الكتابة أدى إلى تحول مساره نحو العمل في مؤسسة دار الهلال ومجلة المصور.
من الصحافة إلى العمل في مقهى وروايات مبكرة
بعد نشر روايتيه "زقاق السيد البلطي" و"البحار مندى"، لم يعجب مرسي حال الصحافة، فاتجه إلى العمل جرسونًا في مقهى بحي السيدة زينب، وكتب خلال تلك الفترة روايته "الكداب"، مما يعكس تنوع تجاربه الحياتية التي أثرت في إبداعه.
الدخول إلى عالم أدب الجاسوسية والإذاعة
اتجه صالح مرسي بعد ذلك إلى الإذاعة، حيث كتب مسلسلًا عن جاسوس مصري كان يعمل لصالح إسرائيل في سكرتارية المؤتمر الأفرو آسيوي، ليدخل بذلك عالم أدب الجاسوسية. عاد إلى مجلة المصور فنشر روايته "دموع في عيون وقحة"، التي مثلها عادل إمام ومعالي زايد للتليفزيون، ثم لحقها بقصة "الحفار" بعد لقائه بأبطال العملية الحقيقيين.
رأفت الهجان: المحطة الأهم في مسيرته الأدبية
تعتبر كتابة قصة "رأفت الهجان" أهم محطة في حياة صالح مرسي، حيث بدأ نشرها مسلسلة في مجلة المصور، وتدور حول شخصية رفعت على سليمان الهجان الذي زرعته المخابرات المصرية في قلب إسرائيل. يعد مسلسل "رأفت الهجان" الوحيد الذي قدم تشريحًا اجتماعيًا واقتصاديًا ونفسيًا للكيان الصهيوني والتحولات التي شهدها خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كما نجح في إظهار المجتمع الإسرائيلي الخائف دائمًا وكيف أن قادته كانوا يصدرون له دائمًا أنه في حالة حرب.
الإسهامات السينمائية وأعمال بارزة
قدم صالح مرسي أعمالًا كتبها خصيصًا للسينما أو أخذت عن قصصه ورواياته، منها فيلم "ثورة اليمن" عام 1966 إخراج عاطف سالم كجزء من مشروع الدولة لتحقيق الوحدة والقومية العربية. كما قدمت السينما أفلامًا مثل "السيد البلطي" إخراج توفيق صالح، و"الكداب" إخراج صلاح أبو سيف، و"جفت الدموع" (سيناريو وحوار عن قصة يوسف السباعي وإخراج حلمي رفلة)، و"الصعود إلى الهاوية" من ملف المخابرات المصرية إخراج كمال الشيخ عن قصة هبة سليم.
رغم شهرته بأدب الجاسوسية، رفض صالح مرسي لقب "عميد أدب الجاسوسية"، مؤكدًا أنه كاتب قبل أي وصف آخر، وأن الأدب لا يقسم، مما يبرز إيمانه بوحدة الفن والإبداع.