اختتمت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، بالتعاون مع كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، فعاليات الملتقى العلمي الأول الذي أقيم احتفاءً باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف. شهدت الجلسة الختامية استعراضاً لمجموعة من الكنوز التحقيقية والموسوعية التي تعكس ريادة الحضارة العربية في مجالات البلاغة والطب والصيدلة وتراجم الأعيان، مؤكدة على دور الكتاب المخطوط كركيزة أساسية لبناء الوعي وحفظ الهوية الوطنية.
فلسفة رعاية ما بعد النشر
أكد الدكتور محمد سليم شوشة، خلال إدارته للجلسة الختامية، أن هذا الملتقى الذي أسسه الأستاذ الدكتور أسامة طلعت يمثل نقلة نوعية في فلسفة النشر؛ إذ لا يقتصر دوره على طباعة الكتاب فحسب، بل يمتد ليشمل "رعاية ما بعد النشر" من خلال فحص القيمة العلمية وتعميق الحوار حول الإصدارات. وأوضح أن التعاون مع المؤسسات الأكاديمية والجامعات يعد من أهم منجزات الملتقى، لكون الأكاديميين الفئة الأكثر اشتباكاً مع هذه المراجع العلمية الدقيقة. واختتم شوشة بالتأكيد على أن تضافر جهود دار الكتب مع الكفاءات الأكاديمية يضمن بقاء الكتاب التراثي حياً وفاعلاً في بناء وعي الأمة، معرباً عن تطلعه لتطوير الملتقى في دوراته القادمة ليكون منصة دورية للاحتفاء بالمؤلفين والمحققين.
مخزون البلاغة: رحلة في النسخ الخطية
قدم الدكتور عبد الرازق حويزي ورقة عمل متعمقة بعنوان "كتاب مخزون البلاغة: القيمة والمحتوى"، استهلها بالحديث عن الدور الجوهري للتراث المخطوط في ترسيخ الهوية الإنسانية وحفظ الذاكرة المعرفية. وانتقل إلى الجانب التحقيقي والموضوعي، حيث قدم عرضاً دقيقاً لإثبات نسبة الكتاب إلى مؤلفه أبي الفضل الميكالي، منتهياً بذلك الجدل العلمي حول هذه النقطة. كما استعرض النسخ الخطية المعتمدة والمنهج العلمي الصارم الذي اتبعه في التحقيق، محلياً محتوى الكتاب وما يميزه عن المؤلفات البلاغية المشابهة، ومبرزاً الخصائص الفنية والمنهجية التي تمنحه فرادة داخل المكتبة التراثية. واختتم ببيان الحاجة الماسة لهذا الكتاب في الدراسات البلاغية والنقدية الحديثة، مؤكداً أن إحياء مثل هذه النصوص يمثل إضافة نوعية لمسيرة البحث العلمي المعاصر.
تكامل العلوم عند علماء الأزهر
قدم الدكتور وليد مبارك قراءة تحليلية في كتاب "القول الصريح في علم التشريح" للشيخ أحمد الدمنهوري، وهو العمل المتوج بجائزة أفضل كتاب لعام 2019. اعتبر مبارك هذا الكتاب نموذجاً فذاً يعكس ريادة التراث الطبي في الحضارة الإسلامية ودور المخطوطات المحوري في نقل المعارف وتبسيطها لطلاب العلم. سلط الضوء على ملمح "تكامل العلوم"، مبرزاً كيف تداخلت العلوم الشرعية والطبيعية في فكر علماء الأزهر الشريف، الذين لم يجدوا تعارضاً بين التبحر في الدين والتميز في التشريح والطب. واختتم بالتأكيد على أن الكتاب التراثي ليس مجرد أثر من الماضي، بل هو ركيزة أساسية لهوية الأمة ووعيها العلمي الرصين.
معجم المصطلحات الصيدلانية التراثية
استعرضت مروة الشريف، مدير عام النشر بدار الكتب والوثائق، تجربتها العلمية في إصدار كتابها "معجم المصطلحات الصيدلانية التراثية"، الصادر عن الهيئة بمراجعة علمية للدكتور محمود مهدي. أوضحت أن فكرة المعجم نبعت من رحم المعاناة البحثية أثناء تحقيق المخطوطات المتعلقة بالنباتات الطبية، حيث رصدت تشتتاً في تعريف المصطلحات بين المراجع القديمة، مما دفعها لخوض رحلة استغرقت عامين من البحث والتنقيب بين المصادر العربية والأجنبية والوسائط الرقمية. حرصت على تقديم مادة علمية دقيقة ومنهجية دون الإخلال بالطابع التراثي، معتمدة الترتيب الهجائي للمصطلحات، وتذييل كل مصطلح بمقابله بالإنجليزية واسمه العلمي وفصيلته النباتية، بالإضافة إلى تعريف شامل يوضح أصل التسمية ووصفها العام. اعتمدت على أمهات الكتب لضبط الأسماء اللاتينية، وفي مقدمتها "معجم أسماء النبات" لأحمد عيسى، ليكون المعجم مرجعاً موثوقاً يذلل الصعوبات أمام الباحثين.
إصدارات دار الكتب وجوائز التراث
استعرض الدكتور حسام أحمد عبد الظاهر في ورقة عمل بعنوان "الجائزة التراثية وإصدارات دار الكتب الحاصلة عليها" خارطة التميز التي رسمتها الدار في تحقيق التراث. استهل كلمته بتحليل دلالي وتاريخي لمفهوم الجوائز، مؤكداً أنها أداة استراتيجية للتحفيز والتقدير تدفع الباحثين نحو إتقان الصنعة العلمية. سلط الضوء على جائزة التراث التي تنظمها الهيئة المصرية العامة للكتاب بالتعاون مع دار الكتب، متتبعاً مسيرتها منذ انطلاقها عام 2011. كشف عن إحصائية لافتة: عدد الكتب الفائزة بالجائزة خلال 15 عاماً بلغ 13 كتاباً، حصدت منها إصدارات دار الكتب والوثائق النصيب الأوفر بواقع 8 إصدارات مقابل 5 لجهات أخرى، مما يؤكد معايير الدقة العلمية التي تنتهجها الدار. واختتم باستعراض تجربته الشخصية التي توجت بالجائزة مرتين: الأولى عام 2013 عن كتابه "تراث محمد شفيق غربال"، والثانية عام 2026 عن كتابه "رسالتان في الاجتهاد والتجديد للشيخين حسن العطار ورفاعة الطهطاوي".
تراجم علماء الشام بمنهج مبتكر
تضمنت كلمة الباحث عاطف عرضاً وافياً لمحاور وأهمية كتاب "العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان" للمؤرخ النعيمي (ت 927هـ)، مؤكداً أن هذا الكتاب يمثل عصارة خبرات النعيمي العلمية وآخر مؤلفاته التي لم يسعفه الوقت لتبييض مسودتها. أوضح أن الكتاب يكتسب فرادته من كونه المؤلف الوحيد لمعاصريه الذي اختص بترجمة الفقهاء والعلماء والقضاة الذين سكنوا بلاد الشام أواخر العصر المملوكي، متبعاً منهجاً مبتكراً عبر ترتيب التراجم وفقاً لتاريخ الميلاد بدلاً من الوفاة كما كان شائعاً. واختتم بإبراز الأهمية التاريخية لهذا العمل، كونه سد فراغاً كبيراً في تراجم علماء تلك الحقبة، وانفرد بذكر أسماء لم توردها المصادر الأخرى، معتمداً على المشاهدات الحية والروايات الشفوية.
نزهة النفوس والأفكار: موسوعة ضخمة
استعرض الباحث أشرف غنام الإنجاز العلمي لمركز تحقيق التراث بدار الكتب والوثائق القومية، والمتمثل في فوز الجزء الثالث من موسوعة "نزهة النفوس والأفكار في خواص الحيوان والنبات والأحجار" بجائزة أفضل كتاب محقق في معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2025. أوضح أن هذا العمل الموسوعي يتتبع بدقة خواص الحيوان والنبات والأحجار في أقاليم مصر والشام والممالك الإسلامية. أضاف أن المؤلف الدمشقي اعتمد أسلوباً فريداً يمزج بين دقة المادة العلمية وعذوبة الصياغة الأدبية، مبتعداً عن الجفاف المعهود. أشار إلى أن طرافة الكتاب تكمن في عرضه الشامل لكل صنف، حيث لا تكتفي الموسوعة بذكر الاسم العلمي، بل تتطرق إلى البيئات والطباع والفوائد الطبية. وأكد أن التحقيق العلمي لهذا الجزء لم يقتصر على ضبط النص فحسب، بل شمل إضافة كشافات تحليلية شاملة ومفصلة لتمكين القارئ والباحث من الوصول إلى المعلومات بسهولة.
يذكر أن الملتقى العلمي الأول لدار الكتب والوثائق القومية يأتي في إطار الاحتفال باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، ويعكس التزام الهيئة بإحياء التراث العربي والإسلامي وتقديمه للباحثين والجمهور بأفضل صورة ممكنة.



