ثلاث روايات صوفية (2): حارس العشق الإلهي بين التاريخ والخيال
ثلاث روايات صوفية (2): حارس العشق الإلهي (23.02.2026)

ثلاث روايات صوفية (2): حارس العشق الإلهي بين التاريخ والخيال

في روايته "حارس العشق الإلهي"، انحاز الكاتب أدهم العبودي إلى التاريخ البصري لأمكنة عجيبة، حيث خطفته وقائع اجتياح المغول للعالم الإسلامي. فرضت حالة بطليه الحقيقيين، جلال الدين الرومي وشمس تبريزي، نفسها عليه، من خلال جدل علاقة الإنسان بالمكان، ونظرته العميقة إلى الذات والشخصيات والوقائع والأشياء.

مقارنة مع رواية أليف شافاق

لم يسلك العبودي الطريق نفسها التي سارت فيها الروائية التركية أليف شافاق في روايتها "قواعد العشق الأربعون"، التي ذاع صيتها في العالم العربي خلال السنوات الأربع الأخيرة. بينما جدلت شافاق بين الحاضر والماضي لتحكي سيرة تبريزي والرومي بالتوازي مع سيرة امرأة ورجل يعيشان في أيامنا، ركز العبودي على ارتباط بطليه بمكانهما وزمانهما.

استعان العبودي بحوليات تاريخية وخرائط جغرافية، مكنته من وصف ببراعة معالم مدن مثل مرو ونيسابور وقونية، وتضاريس الصحاري والجبال والوديان، وتفاصيل المعارك المروعة التي خاضها المغول.

اللغة والتاريخ الموازي

ساعد قاموس لغوي ثري العبودي على تحقيق ثلاثة أمور: الوصف البارع للمناظر والمشاهد، والغوص إلى جذور أفكار وقيم صوفية وفلسفية، وصناعة تاريخ موازٍ. هذا التاريخ لم تأت على ذكره الكتب التي عاد إليها، بل كان بنت الخيال، الذي بوسعه أن يرمم الشروخ ويسد الفُرج.

أعطى المبدأ الذي يتفق عليه بعض المؤرخين، ويرى أن "التاريخ اختيار"، فرصة للكاتب كي يقول إنه يتناول تاريخاً سرياً لمولانا جلال الدين الرومي. هذا التاريخ ليس فحسب ما جرى من التتار، بل أيضاً تاريخ اللغة الصوفية التي أثرت في أسلوب العبودي، الذي أتى قوياً ذا جرس وإيقاع مدوٍ.

فتنة اللغة وتأثيرها على الحكاية

إن فتنة اللغة أخذت الكاتب من الحكاية، فلم ينشغل بها، مدفوعاً بكل كيانه إلى التجريب والمغايرة. اللغة هنا قادرة على أن تلفت الانتباه لذاتها، وقد تأخذ بلب القارئ فلا ينشغل بمسار الحكاية أو معمار الرواية.

بهذا تتباطأ الأحداث داخل الرواية، لتقف طويلاً على عتبات اللغة، وقد لا يأتي انتظارها بجديد. رغم أن الكاتب وضع مراجع في نهاية روايته، مثل "تاريخ الإسلام" للذهبي و"الكامل" لابن الأثير، فإنه لم يلتزم بما ذكرته هذه الكتب، وأطلق العنان لخياله.

إعادة تشكيل الشخصيات

كأن الكاتب أراد أن يجعل من شخصيات روايته، مثل شمس وجلال وكيما، أمثولة تتجاوز الصورة التي وقرت في الأذهان عنها. استخدم ضمير "المتكلم" ليقبض على كل شخصية، يتكلم بلسانها، ويرى لها ما يجب عليها أن تراه.

في أغلب محطات الرواية، يقبض الكاتب على لسان ومخيلة شاهين، الدرويش الأعمى الملازم لشمس تبريزي، الذي دفعته مصادفة إلى أن يحب كيرا، التي تزوجها الرومي فيما بعد، ليصير هو الوسيط الذي ينقل الكاتب عبره بعض قواعد العشق.