قراءة سوسيولوجية في وهم الامتلاك: فلسفة الملكية بين الدين والمجتمع
قراءة سوسيولوجية في وهم الامتلاك: فلسفة الملكية

قراءة سوسيولوجية في وهم الامتلاك: فلسفة الملكية بين الدين والمجتمع

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تسمح الأجواء الروحانية بالتأمل العميق في العديد من الظواهر الكونية والاجتماعية. خلال الأيام الماضية، انغمست في حالة من التفكير والتأمل حول فلسفة الملكية، باعتبارها ظاهرة كونية ذات طبيعة اجتماعية معقدة.

الملكية كبناء اجتماعي مركب

من منظور علم الاجتماع، لا يمكن فهم الملكية بوصفها مجرد علاقة قانونية بين فرد وشيء، ولا باعتبارها حقاً اقتصادياً محضاً. بل هي بناء اجتماعي مركب، تشكل تاريخياً داخل سياقات ثقافية ودينية وسياسية محددة. في جوهرها، تعبر الملكية عن طريقة تنظيم المجتمع لعلاقته بالموارد، وعن الكيفية التي يمنح بها الأفراد شعوراً بالاستقرار والهوية والمعنى.

غير أن هذا البناء، على رسوخه الظاهري، يظل هشاً وقابلاً للتفكك، وهو ما تضعه المقولة الدينية "إن الملك إلا لله" في موضع المساءلة الجذرية. هذه المقولة لا تقدم موقفاً لاهوتياً مجرداً فحسب، بل تطرح رؤية أنثروبولوجية وأخلاقية عميقة لطبيعة علاقة الإنسان بالعالم.

نزع وهم التملك المطلق

المقولة تنزع عن الإنسان وهم التملك المطلق، وتعيد تعريفه بوصفه مستخلفاً، أو فاعلاً اجتماعياً يمارس حق الانتفاع المؤقت داخل نظام كوني لا يملك مفاتيحه النهائية. من هنا تلتقي الرؤية الدينية مع التحليل السوسيولوجي في نقطة محورية: ما نعده ملكاً دائماً ليس سوى وضع اجتماعي عابر.

لقد ارتبط مفهوم الملكية تاريخياً بإحساس الإنسان بالأمان والسيطرة والاستمرارية. الامتلاك يمنح الفرد شعوراً بالثبات في عالم متغير، ويغذي وهم القدرة على التحكم في المستقبل. ولهذا لم يقتصر التملك على الأشياء المادية كالبيت والأرض، بل امتد ليشمل الوظيفة، والمكانة الاجتماعية، والعلاقات، بل وحتى الأدوار الأسرية.

الطابع النسبي والمؤقت للملكية

غير أن علم الاجتماع، منذ كلاسيكياته الأولى، كشف عن الطابع النسبي والمؤقت لهذه التصورات. فدوركايم أشار إلى أن ما يبدو لنا طبيعياً وثابتاً ليس إلا نتاجاً للتنظيم الاجتماعي. وماركس فضح العلاقة بين الملكية والوهم، مبيناً كيف تتحول الأشياء إلى كيانات مسيطرة على الإنسان بدل أن تكون أدوات في خدمته.

أما زيغمونت باومان، في حديثه عن الحداثة السائلة، فقد أكد أن الثبات نفسه أصبح استثناءً، وأن التغير لم يعد عارضاً بل هو القاعدة. في هذا السياق، تبدو فكرة الملكية الدائمة نوعاً من الإنكار الاجتماعي لحقيقة التغير.

السيولة في التجربة الإنسانية

نحن نعيش داخل منظومات متحركة باستمرار: علاقات اجتماعية يعاد تشكيلها، أدوار تتبدل، ومواقع ننتقل بينها دون يقين. لو أجرينا مراجعة بسيطة لتجاربنا الشخصية، لوجدنا أن معظم ما اعتبرناه يوماً ثابتاً قد تغير أو زال.

  • من كانوا بجانبنا قبل سنوات قليلة؟
  • من كانوا يمثلون الدائرة الأقرب في حياتنا؟
  • أين كنا نعمل؟ وكيف كنا نعرّف أنفسنا مهنياً؟
  • وأي بيت كنا نعده مستقراً نهائياً؟

الإجابات تكشف حجم السيولة التي تحكم التجربة الإنسانية. أشخاص رحلوا بالموت، أو بالمسافة، أو بتغير المعاني. وظائف انتهت أو تبدلت، لا لأنها كانت سيئة بالضرورة، بل لأن البنى الاقتصادية والاجتماعية نفسها أعادت ترتيب أولوياتها.

المفارقة السوسيولوجية الكبرى

هنا تتجلى المفارقة السوسيولوجية الكبرى: كلما تمسك الإنسان بوهم الامتلاك، ازداد شعوره بالهشاشة عند الفقد. فالبيت الذي نراه "ملكاً" هو في الحقيقة عقد انتفاع مؤقت، سينتقل لغيرنا. والسيارة، والوظيفة، والمكانة، ليست سوى مواقع عابرة داخل شبكة اجتماعية أوسع.

وحتى العلاقات التي نظنها أقرب أشكال الملكية -الزوجة، الأبناء- لا تخضع لمنطق التملك، بل لمنطق المشاركة الزمنية، حيث يعيد الزمن تشكيل القرب والبعد باستمرار. بل إن الأشياء البسيطة، كالملابس التي نستخدمها يومياً، تحمل الدلالة نفسها: تُقتنى، تستعمل، ثم تستبدل أو تترك.

التحرر من وهم الامتلاك

غير أن هذه الرؤية لا تقود، كما قد يظن، إلى السلبية أو الانسحاب من الحياة. على العكس، فإن الوعي بسقوط وهم الامتلاك يفتح أفقاً تحررياً عميقاً. فالإنسان الذي يدرك أن الملك لله، وأنه عابر في هذا العالم، يتحرر من القلق المرضي المرتبط بالخسارة، ويتصالح مع فكرة الفقد بوصفها جزءاً من البنية الطبيعية للحياة الاجتماعية.

هذا الإنسان يعمل، لكنه لا يختزل قيمته في وظيفته. يحب لكنه لا يؤله العلاقات ولا يطالبها بالخلود. يفرح دون أن يتوهم دوام الفرح، ويحزن دون أن يعتقد أن الحزن قدر أبدي. إنه يعيش داخل العالم، لا متعلقاً به تعلق المالك، بل متفاعلاً معه تفاعل العارف بمحدودية الزمن.

الحكمة العملية للرؤية

من هنا تبرز الحكمة العملية لهذه الرؤية: أن نعيش اللحظة بوصفها فرصة لا ضمانة. أن نعيش مع الناس بوعي أنهم عابرون مثلنا. أن نتعامل مع الأماكن والأشياء دون وهم الامتلاك النهائي. وأن ندرك أن الزمن لا يعيد التجارب في الصيغة نفسها مرتين.

إن مقولة "إن الملك إلا لله"، لا تسلب الحياة معناها، بل تعيد تأسيس هذا المعنى على أساس أخلاقي وإنساني أعمق. فهي تذكرنا بالتواضع الوجودي، وبالمساواة النهائية بين البشر أمام حقيقة الزوال، وبأن القيمة الحقيقية لا تكمن في ما نراكمه من ممتلكات، بل في كيفية عيشنا، وفي الأثر الذي نتركه في حياة الآخرين دون أن نثقلهم بوهم السيطرة والامتلاك.

سيظل الغد مجهولاً، محجوباً بعلم الله وحده. وما بين هذا اليوم وذلك الغد، لا نملك إلا أن نحسن الانتفاع، وأن نعيش بوعي، قبل أن تنتهي مدة العقد الاجتماعي والوجودي، دون إخطار مسبق.