تواصلت ردود الفعل حول ما أعلنه محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم، أمام الجلسة العامة بمجلس الشيوخ عن توجه الوزارة لتغيير المناهج الدراسية، وبخاصة مناهج العلوم والرياضيات، في غضون ثلاث سنوات، والاستعانة بالمناهج اليابانية في العلوم والرياضيات بعد تطبيق منهج الرياضيات للصف الأول الابتدائي هذا العام.
المناهج الدراسية.. 4 تجارب خلال 10 سنوات
خلال السنوات العشر الماضية، شهدت منظومة المناهج الدراسية 4 تجارب كبرى. الغريب في أمر المناهج الدراسية أنه لم يتم قياس أثر كل تجربة قبل البدء في التجربة الجديدة. في تلك الفترة، مر على وزارة التربية والتعليم 4 وزراء، وهم الدكتور الهلالي الشربيني، تلاه الدكتور طارق شوقي، ثم الدكتور رضا حجازي، وصولاً إلى وزير التربية والتعليم الحالي محمد عبد اللطيف.
مع كل وزير من وزراء التربية والتعليم خلال السنوات العشر الماضية، كانت الجملة الأشهر هي تطوير المناهج الدراسية، والبعد عن مناهج الحفظ والتلقين، والسعي لوضع مناهج دراسية تنمي قدرات الطلاب وترسخ للفهم. ولكن اختلفت أساليب المعالجة، وكذلك اختلفت التجربة التي سعى كل وزير إلى تطبيقها. ويرى محللون أن الحديث عن المناهج الدراسية مع كل وزير سببه الأساسي، بجانب الرغبة في التطوير، هو محاولة كل وزير لتنفيذ رؤيته وترك بصمته، إلى جانب أن ملف المناهج الدراسية هو أحد الملفات المهمة التي قد تضمن استمرار الوزير في منصبه لأطول فترة ممكنة.
الهلالي الشربيني ومشروع طموح لم يكتمل
في عهد الدكتور الهلالي الشربيني، وزير التربية والتعليم الأسبق، طرح مشروع قومي ضخم لتطوير المناهج الدراسية، وبخاصة في مواد العلوم والرياضيات. وكان المشروع يرتكز على دراسة أوضاع المناهج الدراسية المصرية ومقارنتها بمناهج الدول المصنفة الأولى في جودة التعليم مثل إنجلترا وفنلندا. وبالفعل، طلبت وزارة التربية والتعليم من تلك الدول نسخاً كاملة من مناهجها الدراسية، وطلبت الوزارة من الجامعات المصرية ترشيح أفضل ثلاثة خبراء متخصصين في كل مادة من المواد الدراسية.
في فبراير من عام 2016، عقدت وزارة التربية والتعليم ورشة عمل ضمت كافة الخبراء المصريين وخبراء المناهج بالوزارة. وانتهت ورشة العمل إلى تشكيل لجان فرعية لكل مادة دراسية، ودراسة أوضاع المناهج المصرية ومقارنتها بالمناهج العالمية. وضعت تلك اللجان تقاريرها. ولم تكتف وزارة التربية والتعليم بذلك، بل طلبت من منظمة اليونسكو دراسة مقارنة للمناهج المصرية مقارنة بالمناهج الدولية. جاء تقرير اليونسكو مطابقاً إلى حد كبير مع تقارير الخبراء المصريين. وبناء عليه، شرعت وزارة التربية والتعليم في وضع آليات تنفيذ لتطوير المناهج وفقاً لتلك النتائج؛ لكن المشروع تم إجهاضه عقب رحيل الدكتور الهلالي الشربيني عن الوزارة في عام 2017.
طارق شوقي وتجربة مناهج التعليم 2.0
مع تولي الدكتور طارق شوقي منصب وزير التربية والتعليم في عام 2017، تضمنت استراتيجيته للتعليم بناء منظومة تعليمية جديدة تغاير منظومة التعليم القديمة، وهو ما أطلق عليه "التعليم 2.0". تضمنت خطوة الدكتور طارق شوقي بناء منظومة مناهج جديدة تبدأ من الصفوف الأولى بدءاً من مرحلة رياض الأطفال، ثم تُستكمل في كل عام حتى نهاية مرحلة الثانوية العامة.
استعانت وزارة التربية والتعليم بعدد من المؤسسات التعليمية الدولية في بناء منظومة مناهج التعليم 2.0. وتضمنت فلسفة الإطار العام للمناهج تنمية المهارات وريادة الأعمال والنمو الشامل للمتعلم معرفياً وإتقان مهارات التعلم الذاتي، كما شملت استراتيجية تطوير المناهج في النظام الجديد مبادئ حاكمة على رأسها تعدد مصادر المعرفة وتكامل وترابط المعرفة وإطار موحد لخريج التعليم العام والفني وتحقيق التوازن في إعداد المتعلم. وشمل الإطار العام تحديد مواصفات الخريج، وهي تحقيق ريادة الأعمال لمبدأ التعلم المستمر والتعايش مع الآخرين قائداً فعالاً معتزاً بوطنه ومتمسكاً بقيمه، مؤمناً بقيم العمل ولديه القدرة التنافسية.
منظومة المناهج التي وضعها الدكتور طارق شوقي حولت مناهج الصفوف الأولى إلى مناهج دراسية تضاهي المناهج التي تُطبق في المدارس الدولية، وقد أشاد خبراء تربويون بتلك المناهج؛ ولكن كالعادة، توقفت التجربة بعد رحيل الدكتور طارق شوقي عن وزارة التربية والتعليم في أغسطس عام 2022.
رضا حجازي وإطار جديد للمناهج
حينما تولى الدكتور رضا حجازي منصب وزير التربية والتعليم في أغسطس 2022، سار على درب سابقيه في ملف المناهج الدراسية. حاول الدكتور رضا حجازي تغيير المشهد في المناهج الدراسية. وفي أغسطس 2023، عقد ملتقى تطوير المناهج (رؤى وتجارب)، وهو الملتقى الذي نظمته وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع يونيسيف مصر على مدار يومي 6 و7 أغسطس 2023.
استعرضت أميرة كاظم، مسئول أول عمليات إدارة التعليم بالبنك الدولي، خلال فعاليات الملتقى، الممارسات الجيدة في تطوير الإطار العام للمناهج وتأثيرها على مخرجات التعلم، مؤكدة أن الهدف من تطوير المناهج هو تحسين مخرجات التعلم، واستعدادية خريجي المدارس للحياة والعمل. وأكدت أن الهدف من هذه الجلسة عرض للممارسات الدولية لأطر المناهج، والملامح الأساسية وتوجهات التعليم في أطر تطوير التعليم وتحسين القرائية، والربط بين تطوير المناهج وتحسين القرائية. وأشارت إلى أن عناصر إطار المناهج، وأساسيات المنهج الجيد المتكيف مع متطلبات الحياة، هي المعارف والقيم والمهارات، والتوجهات مع التأكيد على القرائية، والحسابية، والصحة النفسية، والصحة العقلية، والمهارات الحياتية. وأشارت إلى أن الصلة لتحسين مخرجات التعلم هي تحسين القرائية، مشيرة إلى أن أطفال اليوم سوف يستخدمون التكنولوجيا بشكل لا نستطيع تخيله، وسيعملون بوظائف لم تخترع بعد، لذا فهم في حاجة إلى مهارات التعلم الذاتي والتعلم مدى الحياة. وكالمعتاد، انتهى مشروع الدكتور رضا حجازي مع رحيله عن منصب وزير التربية والتعليم في يوليو 2024.
محمد عبد اللطيف والاستعانة بالتجربة اليابانية
منذ تولي محمد عبد اللطيف منصب وزير التربية والتعليم في يوليو 2024، أظهر ميلاً واضحاً للاستفادة من الخبرات اليابانية في مجال التعليم. ويأتي ملف المناهج الدراسية ضمن الملفات الأكثر اهتماماً، حيث انتهت وزارة التربية والتعليم، وفقاً لما أعلنه وزير التربية والتعليم الحالي، من تطوير 94 منهجاً دراسياً بمختلف الصفوف. وجاءت الجلسة العامة بمجلس الشيوخ ليكشف محمد عبد اللطيف عن خطة وزارة التربية والتعليم لإحداث تغيير شامل في مناهج العلوم والرياضيات خلال ثلاث سنوات، وأن يكون الاعتماد في ذلك على المناهج اليابانية في العلوم والرياضيات. فهل تكون التجربة اليابانية هي آخر التجارب في المناهج الدراسية المصرية؟



