أزمة التأمين الصحي تهدد استقرار المعاهد العليا الخاصة في مصر
تشهد منظومة المعاهد العليا الخاصة في مصر حالة من الجدل والارتباك الشديدين، نتيجة أزمة متصاعدة تتعلق بملف التأمين الصحي للطلاب. هذا الملف الحيوي يمس حياة ما يقرب من 800 ألف طالب وطالبة، موزعين على 185 معهدًا عاليًا خاصًا في مختلف محافظات الجمهورية، مما يجعله قضية وطنية تستدعي التدخل العاجل.
خلفية القرار والخطابات المفاجئة
بدأت الأزمة مع إرسال خطاب رسمي إلى جميع المعاهد العليا الخاصة، موقع من القائم بعمل رئيس قطاع التعليم، والقائم كذلك بعمل أمين مجلس شؤون المعاهد. تضمن الخطاب الإشارة إلى موافقة الوزير السابق على فكرة توحيد مظلة التأمين الصحي خلال اجتماع مجلس شئون المعاهد المنعقد في 6 مارس 2025.
الخطاب أشار إلى توجيه الوزير بتشكيل لجنة مختصة لدراسة الموضوع "من كافة جوانبه وبالشكل الأمثل"، تمهيدًا لاختيار شركة تأمين واحدة لتغطية جميع طلاب المعاهد، بهدف توحيد الخدمة وتحقيق أقصى استفادة بأقل تكلفة. واختُتم الخطاب بعبارة واضحة تدعو إلى سرعة اتخاذ اللازم لتنفيذ قرار المجلس.
غير أن المفاجأة الكبرى – بحسب عدد من إدارات المعاهد – تمثلت في تلقيهم اتصالات من مندوبي شركة مصر للتأمين تطالب بسداد نحو 400 جنيه عن كل طالب، استنادًا إلى اتفاق تم مع القائم بعمل أمين مجلس شئون المعاهد.
أرقام ضخمة وتساؤلات مشروعة
بحسبة مباشرة، فإن تحصيل 400 جنيه من نحو 800 ألف طالب يعني ما يقارب 320 مليون جنيه سنويًا. هذا الرقم الضخم اعتبرته إدارات عديدة "مبالغًا فيه"، خاصة أن كثيرًا من المعاهد كانت قد تعاقدت بالفعل مع شركات تأمين أخرى بمبالغ أقل بكثير، وبعضها يشمل تغطية صحية أشمل.
الأزمة تفاقمت عندما استفسرت بعض المعاهد عن طبيعة التغطية المقدمة، لتفاجأ – بحسب ما ذكره ممثلوها – بأن الوثيقة المقترحة تتعلق بالتأمين ضد الحوادث فقط، وليس تأمينًا صحيًا شاملًا بمفهومه المعروف. كما واجهت إدارات المعاهد صعوبة عملية في تحصيل أي مبالغ إضافية من الطلاب، بعد سداد معظمهم المصروفات الدراسية بالفعل مع بداية العام الدراسي.
اتهامات بالضغط وربط التقييم بالمشاركة
وتداولت إدارات معاهد مقترحًا – قيل إنه طُرح بإيعاز من القائم بعمل أمين المجلس – بربط تقييم المعاهد، الذي يُحدد على أساسه عدد الطلاب المقبولين سنويًا، بمدى مشاركتها في مشروع التأمين الموحد مع شركة واحدة. هذا الطرح قوبل برفض واسع، واعتبرته بعض الإدارات شكلًا من أشكال الضغط غير المبرر، خاصة في ظل وجود تعاقدات قائمة بالفعل مع شركات أخرى.
تراجع رسمي وخطاب جديد
مع تصاعد الرفض، صدر خطاب لاحق بتاريخ 11 يناير 2026، يفيد بطلب موافاة الوزارة بما إذا كان المعهد قد قام بالتأمين الصحي لدى شركة مصر للتأمين أو لدى شركات أخرى، مع تقديم المستندات الدالة على ذلك. اعتبرت إدارات عديدة أن هذا الخطاب يمثل تراجعًا عمليًا عن فكرة إلزام جميع المعاهد بشركة واحدة، بعد أن تعذر تمرير المقترح في صورته الأولى.
دعوة لفتح الملف بشكل شفاف
في ضوء هذه التطورات، تتصاعد الدعوات لفتح الملف بشكل شفاف وإعادة دراسته تحت إشراف الوزير الحالي للتعليم العالي، عبد العزيز قنصوة، للوقوف على عدة أسئلة جوهرية:
- من صاحب فكرة توحيد شركة التأمين؟
- كيف كان سيتم تنفيذ المشروع؟
- ما طبيعة التغطية الحقيقية المقترحة؟
- هل وُجدت شبهات مخالفة إدارية أو تضارب مصالح؟
- كيف يمكن تطبيق نظام تأمين صحي شامل وعادل دون تحميل المعاهد والطلاب أعباء مالية غير مبررة؟
بين الحق المشروع وسوء الإدارة
يبقى التأمين الصحي حقًا أساسيًا للطلاب، خاصة في ظل التوسع الكبير في منظومة المعاهد العليا الخاصة. غير أن إدارة هذا الملف تحتاج إلى شفافية كاملة، ومشاركة حقيقية من جميع الأطراف، وضمان أن يكون الهدف هو توفير مظلة صحية حقيقية وشاملة، لا مجرد وثيقة تأمين ضد الحوادث، ولا مشروعًا قد يكلف المنظومة مئات الملايين دون وضوح كامل في التفاصيل.
ويبقى السؤال المطروح: هل تتحول الأزمة إلى فرصة لإقرار نظام تأمين صحي عادل ومستدام، أم تظل نموذجًا لإدارة ملف حيوي بطريقة أربكت الجميع؟