ضعف التركيز أثناء المذاكرة في رمضان: شكوى متكررة وحلول عملية لتحسين الأداء الدراسي
ضعف التركيز في رمضان: حلول عملية لتحسين المذاكرة

ضعف التركيز أثناء المذاكرة في رمضان: شكوى متكررة وحلول عملية لتحسين الأداء الدراسي

مع حلول شهر رمضان المبارك، تتكرر شكاوى العديد من الطلاب وأولياء الأمور حول ضعف التركيز أثناء المذاكرة، خاصة في المراحل التعليمية الحساسة مثل الإعدادية والثانوية. بين الصيام وتغير مواعيد النوم والانتقال من نمط يومي معتاد إلى آخر مختلف تمامًا، يواجه الطلاب تحديات حقيقية في الحفاظ على انتباههم واستيعاب المعلومات. لكن هل المشكلة تكمن في الصيام نفسه؟ أم في طريقة إدارة اليوم الرمضاني؟

هل الصيام هو السبب الرئيسي لضعف التركيز؟

أكدت الدكتورة عبلة إبراهيم، أستاذة التربية ومستشارة العلاقات الأسرية، أن الصيام في حد ذاته لا يسبب ضعف التركيز لدى الشخص السليم. بل إن الدراسات العلمية تشير إلى أن الجسم البشري قادر على التكيف مع الامتناع عن الطعام لساعات محددة دون تأثير سلبي كبير على الوظائف المعرفية. وأضافت أن المشكلة غالبًا ما تكمن في السلوكيات الخاطئة المصاحبة لرمضان، وليس في الصيام ذاته.

أسباب ضعف التركيز في رمضان

تستعرض الدكتورة عبلة الأسباب الرئيسية لضعف التركيز خلال شهر رمضان، والتي تشمل:

  1. اضطراب مواعيد النوم: يعتبر قلة النوم أو تقطعه من أكبر الأسباب المباشرة لضعف التركيز. كثير من الطلاب يسهرون حتى وقت السحور، ثم ينامون ساعات قليلة غير كافية، مما يؤثر سلبًا على وظائف المخ المسؤولة عن الانتباه والذاكرة قصيرة المدى.
  2. الإفطار الثقيل: الوجبات الدسمة والغنية بالدهون والسكريات تؤدي إلى شعور بالخمول بعد الإفطار. ارتفاع السكر المفاجئ في الدم ثم انخفاضه السريع يسبب حالة من الإرهاق الذهني، مما يجعل المذاكرة بعد الإفطار مباشرة غير فعالة.
  3. الجفاف: قلة شرب الماء بين الإفطار والسحور تؤثر على كفاءة الدورة الدموية ووصول الأكسجين إلى المخ. حتى الجفاف البسيط قد يؤدي إلى صداع خفيف وضعف في التركيز.
  4. التوتر وضغط الامتحانات: عندما يتزامن رمضان مع فترات مراجعة أو اختبارات، يزداد القلق لدى الطلاب. هذا القلق يستنزف الطاقة الذهنية ويقلل القدرة على الاستيعاب.
  5. استخدام الهاتف لفترات طويلة: السهر على مواقع التواصل الاجتماعي أو مشاهدة المسلسلات حتى ساعات متأخرة يستهلك التركيز المتبقي ويُربك الساعة البيولوجية، مما يجعل اليوم التالي أقل إنتاجية.

المذاكرة في رمضان: هل هي غير فعالة؟

ليست المذاكرة أثناء الصيام بالضرورة غير فعالة. هناك طلاب يفضلون المذاكرة قبل الإفطار بساعتين، حيث يكون الذهن أكثر هدوءًا، خاصة إذا حصلوا على نوم كافٍ. بينما يجد آخرون أن أفضل وقت لهم هو بعد الإفطار بساعتين، عندما يستقر مستوى السكر في الدم. المفتاح هنا هو معرفة التوقيت الأنسب لكل طالب، بدلًا من الالتزام بنمط واحد للجميع.

حلول عملية لتحسين التركيز في رمضان

لتجاوز تحديات ضعف التركيز، تقدم الدكتورة عبلة مجموعة من الحلول العملية:

  • تنظيم النوم أولًا: يحتاج الطالب من 6 إلى 8 ساعات نوم يوميًا على الأقل. يمكن تقسيم النوم إلى جزء ليلي أساسي (4–5 ساعات) وقيلولة قصيرة بعد الظهر من 30 إلى 60 دقيقة لتعويض النقص.
  • اختيار التوقيت الذهبي للمذاكرة: قبل الإفطار بساعة أو ساعتين للمراجعة الهادئة، بعد الإفطار بساعتين للمذاكرة التحليلية، أو بعد الفجر مباشرة للمواد التي تحتاج صفاء ذهن.
  • تقسيم المذاكرة إلى جلسات قصيرة: تطبيق تقنية 25 دقيقة مذاكرة + 5 دقائق راحة للحفاظ على الانتباه وتقليل الإجهاد الذهني.
  • الاهتمام بالسحور الذكي: وجبة السحور يجب أن تحتوي على بروتين وكربوهيدرات معقدة وفاكهة أو خضروات وكمية كافية من الماء لثبات مستوى السكر في الدم.
  • تقليل السكريات بعد الإفطار: تناول قطعة صغيرة من الحلويات بعد وجبة متوازنة بدلًا من الإفراط للحفاظ على النشاط الذهني.
  • شرب الماء بشكل منتظم: توزيع 6 إلى 8 أكواب ماء بين الإفطار والسحور بدلًا من شرب كمية كبيرة دفعة واحدة.
  • تقليل المشتتات: وضع الهاتف بعيدًا أثناء المذاكرة وإغلاق الإشعارات وتحديد وقت محدد للترفيه.
  • ممارسة حركة خفيفة: المشي لمدة 10 إلى 15 دقيقة بعد الإفطار يحسن الدورة الدموية ويزيد تدفق الأكسجين للمخ.

دور الأسرة في دعم الطالب

أشارت الدكتورة عبلة إلى أن الأم والأب لهما دور كبير في تخفيف الضغط النفسي عن الطالب. المقارنات المستمرة مع الآخرين تزيد القلق، لذا من الأفضل تشجيع الجهد بدل التركيز على النتائج فقط. كما أن تهيئة مكان هادئ للمذاكرة وتقليل الضوضاء وقت المراجعة يساهمان في رفع كفاءة التحصيل.

الجانب النفسي لا يُغفل

بعض الطلاب يدخلون رمضان وهم مقتنعون مسبقًا أنهم لن يستطيعوا المذاكرة بكفاءة. هذه الفكرة بحد ذاتها تصبح عائقًا نفسيًا. من المهم تغيير الحوار الداخلي من "أنا مش مركز عشان صايم" إلى "أحتاج أن أنظم وقتي بشكل أفضل". الاقتناع بالقدرة على الإنجاز يعزز الدافعية ويزيد من إفراز هرمونات السعادة التي تدعم الأداء الذهني.

ضعف التركيز في رمضان ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة تفاعل عدة عوامل يمكن التحكم فيها. الصيام لا يمنع التفوق الدراسي، لكنه يتطلب إدارة ذكية لليوم، ونومًا منتظمًا، وغذاءً متوازنًا، ووعيًا نفسيًا. حين يُعاد تنظيم اليوم الرمضاني بما يتناسب مع احتياجات الطالب، يتحول الشهر من عائق دراسي إلى فرصة لاكتساب مهارات جديدة في إدارة الوقت والانضباط الذاتي. وفي النهاية، رمضان ليس شهر الكسل كما يعتقد البعض، بل يمكن أن يكون شهر الإنجاز إذا أدرناه بحكمة.