جورج بيرنباوم: العقل المدبر وراء صعود اليمين الصهيوني المتطرف في الغرف المظلمة
في قلب ناطحات السحاب بمانهاتن، يتربع البرج الزجاجي للملياردير اليهودي جورج سوروس، حيث تنتشر شاشات تعرض بيانات الأسواق العالمية. بين هذه الأرقام، يبرز رسم بياني برتقالي يحلل المشاعر على وسائل التواصل الاجتماعي، مُحدّثاً منذ 2017، يروج لروايات تصف سوروس بـ"الشر المحض" و"مهرب المخدرات" و"مؤمن بنظريات المؤامرة". هذه الصورة النمطية، التي يعترف 90% من الحقائق فيها، تثير تساؤلاً جوهرياً: من أين أتت هذه الأفكار، ومن يقف خلفها؟
الوجه الآخر: بيرنباوم في برلين
في مشهد معاكس، يقف جورج بيرنباوم، المستشار السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أمام بوفيه فاخر في فندق ويستن جراند ببرلين. بيرنباوم، ذو البنية الرياضية والعينين الزرقاوين الثاقبتين، يتباهى بأنه "صنع نتنياهو"، تماماً كما صنع غيره من القادة. في مقابلة مع مجلة "داس ماجازين" السويسرية عام 2019، كشف أنه ومعلمه آرثر فينكلستين كانا وراء المؤامرة الأولى ضد سوروس في 2008، عندما ساعدا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان في العودة إلى السلطة.
من المجر إلى إسرائيل: شبكة النفوذ العابرة للحدود
تعرف أوربان على بيرنباوم وفينكلستين عبر صديقهما نتنياهو، الذي أشاد بدورهما في فوزه برئاسة الوزراء الإسرائيلية عام 1996. خلال فترة وجيزة، نجح الثنائي في دفع أوربان إلى القمة لأكثر من 16 عاماً، من خلال نصحه بالتركيز على تشويه سمعة سوروس، ووصفه بـ"المحرك الخفي" لدعم أعداء المجر. يقول بيرنباوم: "لم أكن أعلم أن سوروس يهودي، لكن وجود عدو واضح يسهم في حشد التأييد الشعبي. المعارك الانتخابية تُخاض ضد أشخاص، لا أفكار مجردة."
الجذور النفسية: من المحرقة إلى الهوية اليهودية
وُلد بيرنباوم عام 1970 في لوس أنجلوس، بعد فرار عائلته من ألمانيا النازية. تحكي روايات عائلية أن جده أُعدم على يد النازيين، بينما نجا والده من معسكر أوشفيتز. في أتلانتا، حيث نشأ، واجه مظاهر معاداة السامية، مثل أعمال التخريب في مدرسته اليهودية، مما ترك أثراً عميقاً في تكوينه. كان والده يزوده بجريدة "جيروزاليم بوست" أسبوعياً، لترسيخ قناعة بأن "إسرائيل وحدها تحمي اليهود" من تكرار المحرقة.
صناعة القادة وإعادة صياغة السرديات
انضم بيرنباوم إلى معلمه فينكلستين في حملة نتنياهو عام 1996، وساهم في رسم شخصيته السياسية. رغم انفصاله لاحقاً عن نتنياهو، استمر في العمل مع شخصيات إسرائيلية بارزة، مثل أرييل شارون. يُعتبر فينكلستين الأب الروحي للاستشارات السياسية، حيث طور أساليب إعلانية جديدة واستطلاعات رأي، بينما استفاد من إتقان بيرنباوم للعبرية لدفعه إلى قلب المشهد الإسرائيلي.
استراتيجيات الإحباط وصناعة الأعداء
يؤمن بيرنباوم بأن "إحباط الناس أسهل من تغيير قناعاتهم"، وهي فلسفة تجسدت في حملة دونالد ترامب ضد هيلاري كلينتون. يدير شبكة اتصالات مع مسؤولين أمنيين إسرائيليين، مما يمنحه معرفة دقيقة بإدارة المشهد السياسي في الغرف المظلمة. بعد اغتيال إسحاق رابين عام 1995، ساهم في حملة نتنياهو الانتخابية، التي ركزت على شعار "بيريز سيقسم القدس"، مما أدى إلى فوزه بنسبة 50.49%.
الخلاصة: عراب الشعبوية المعاصرة
يُوصف بيرنباوم بـ"عراب الشعبوية المعاصرة"، حيث ساهم في صعود تيارات اليمين الصهيوني المتطرف عبر شبكات نفوذ عابرة للحدود. لا يقتصر دوره على صناعة القادة، بل يمتد إلى صناعة "العدو" نفسه، كما في حالة سوروس. عبر استراتيجيات إعلامية مكثفة، أعاد صياغة سرديات تاريخية، مثل محرقة اليهود، لتعزيز أجندات سياسية، مما يجعله شخصية محورية في هندسة الحملات السياسية الحديثة.



