الاقتصاد المصري في مواجهة إعصار الأوهام الحكومية
بين أروقة المكاتب الحكومية التي يسكنها الصمت المريب، وأنين الشوارع التي يمزقها جنون الأسعار، تقف مصر في ربيع عام 2026 وكأنها تواجه إعصارًا كاملًا لم تدعُ إليه، لكنها -بكل أسف- لم تستعدّ لمواجهته بما يليق بوطنٍ يمتلك عبقرية الجغرافيا وتاريخًا طويلًا من الكفاح والصمود.
انكشاف السياسات أمام الحرب الإقليمية
إن المشهد الراهن، الذي يهيمن عليه دوي القصف والقذائف في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو انكشاف فاضح لهشاشة السياسات والمصدات التي تباهت الحكومة والمجموعة الاقتصادية ببنائها لسنوات، فإذا بها تتهاوى كبيوت الرمل عند أول اختبارٍ حقيقي للسيادة الاقتصادية ومع أول شهر من الحرب الدائرة في الإقليم.
شماعة الظروف الإقليمية وفشل التبريرات
لم يعد من المقبول، ولا من اللائق سياسيًا، أن تظل حكومة الدكتور مصطفى مدبولي تعزف على وتر الظروف الاستثنائية لتبرير فشلها في لجم غول التضخم، فالحروب في هذا الإقليم ليست حدثًا طارئًا، بل هي ثابت جيو-سياسي، كان ينبغي وضعه في صلب أي استراتيجية اقتصادية رصينة منذ سنوات، إن الركون إلى فكرة أننا ضحايا للأحداث الدولية هو هروب للأمام، واعتراف ضمني بالعجز عن صناعة البدائل.
حين يخرج علينا رئيس الوزراء ليعلن بلهجة الصدمة أن فاتورة الطاقة قفزت من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار شهريًا، فإنه لا يقدم كشف حساب لنجاحه، بل يقدم شهادة فشل لسياسة تأمين الاحتياجات التي ارتهنت كليًا لتقلبات الأسواق العالمية.
سقوط أسطورة سعر الصرف المرن
سقطت ورقة التوت عن أسطورة سعر الصرف المرن، إن وصول الدولار في البنوك الرسمية إلى مستوى 55 جنيهًا لأول مرة في التاريخ، ليس مجرد رقمٍ عابر على شاشات التداول، بل هو زلزال يضرب أساسات البيت المصري في مقتل، هذا الانخفاض الحاد في قيمة العملة الوطنية –والذي بلغت نسبته 14% في غضون أسابيع قليلة– هو اعترافٌ صارخ بأن ما تصفه الحكومة بـ الإصلاحات الهيكلية لم يكن سوى مسكنات جراحية في جسدٍ يعاني من نزيفٍ حاد في الإنتاج الحقيقي.
تضخم إداري صنعته الحكومة
يتحدث الخبراء الموالون للحكومة عن تضخم ناتج عن الحرب، لكن الحقيقة المرة أن جزءًا كبيرًا من هذا التضخم هو تضخم إداري صنعته الحكومة بقراراتها المتخبطة، حين ترفع الحكومة أسعار الوقود والكهرباء بنسب تتراوح بين 17% و30% في عزّ أزمة سياسية وعسكرية طاحنة، فهي لا تمارس ضبط أوضاع مالية، بل تمارس عملية خنق متعمد لما تبقى من رمق في القدرة الشرائية للمواطنين.
لقد وصل المعدل السنوي للتضخم العام إلى 13.4%، بينما التضخم الأساسي يزحف نحو 12.7%، وهذه الأرقام -على قسوتها- لا تعكس الحقيقة الكاملة في الأسواق الشعبية، إن تضخم الخضروات والفاكهة الذي تخطى الأنماط الموسمية هو صرخة من سلاسل إمداد متهالكة وجشع رقابي لم تنجح الدولة في كبحه.
تخبط السياسة النقدية وأزمة الاستثمار
تعاني السياسة النقدية في مصر من تخبط، فتارة تثبت الفائدة عند 19.25% وتارة أخرى تلوح بالرفع، في مشهد يعكس فقدان البوصلة، إن تثبيت الفائدة في ظل تضخم يلتهم المدخرات هو وهم، ورفعها هو رصاصة رحمة في صدر الاستثمار المحلي، كيف نطلب من القطاع الخاص أن يكون قاطرة النمو وهو يواجه تكلفة إقراض حقيقية تتجاوز 21%؟
دراما الطاقة والاعتماد على الذات
إن الواقع الميداني يقول إننا نكافح لتدبير مستلزمات الإنتاج الأساسية للمصانع، كما أن هناك توقعات بأن الفجوة في ميزان المدفوعات قد تصل إلى 12 مليار دولار نتيجة الصدمات، هذه هي الحقيقة المرة التي يجب أن تُناقش فوق الطاولات، لا الخطابات الإنشائية عن الدور الريادي، إن ما يحدث في البحر الأحمر ومضيق هرمز ليس مجرد توترات عسكرية عادية، بل هو خنق استراتيجي لممرات الطاقة التي تعتمد عليها ميزانيتنا الضعيفة.
الفاتورة الاجتماعية: المواطن يدفع الثمن
في نهاية المطاف، هناك سؤال أخلاقي وإنساني يطرح نفسه بحدة: من يدفع ثمن هذا التخبط؟ المواطن الذي يرى رغيف خبزه يصغر، وفاتورة كهربائه تتضاعف، ودواءه يختفي من الصيدليات، هو الذي يتحمل عبء الديون الخارجية، إن الحديث عن زيادة الأجور ورفع الحد الأدنى إلى 8000 جنيه هو مسكن موضعي؛ فما قيمة الزيادة إذا كانت تتبخر في اليوم التالي أمام قفزات أسعار السولار التي ترفع تكلفة كل شيء.
الخروج من النفق: اقتصاد الحرب الحقيقي
إن الخروج من هذا النفق المظلم لا يكون بمزيد من القروض، ولا بانتظار منحة من هنا أو هناك، الحل يبدأ بـ اقتصاد الحرب الحقيقي:
- تقشف حكومي صارم وفوري يبدأ من القمة، بوقف كافة المشروعات غير الإنتاجية.
- توجيه كل دولار وكل جنيه نحو دعم الصناعة والزراعة فقط.
- استقلال حقيقي للقرار النقدي بعيدًا عن ضغوط سداد عجز الموازنة.
- خلق سعر صرف واحد ومستقر يعيد الثقة للمنتج والمستثمر.
- تطهير الجهاز الإداري من البيروقراطية المعرقلة.
- تعظيم قيمة التعليم والبحث العلمي كحل وحيد لمواجهة سطوة الجهل.
في وداع الأوهام: عام الحقيقة المرّة
إن ربيع عام 2026 سيسجله التاريخ كـ عام الحقيقة المرّة، لقد سقطت الأقنعة عن سياسات اقتصادية للحكومة ظنت أنها تستطيع الالتفاف على قوانين المنطق للأبد، إن مصر اليوم تحتاج إلى رجال دولة يمتلكون الرؤية والجسارة والارتباط بتراب هذا الوطن، لقد آن الأوان لكي تتوقف حكومة الدكتور مدبولي عن لوم القدر والظروف الاستثنائية للحرب وتبدأ في مراجعة السياسات، فالجغرافيا قد تكون قدرًا لا نختاره، ولكن الفشل في إدارتها هو خيار ذاتي نرفضه جميعًا، وسيحاسبنا عليه التاريخ قبل أن يحاسبنا عليه الشعب.



