ليلة سقوط واشنطن: قراءة متأخرة في فيلم قديم تكشف تحولات القوة الأمريكية
شاهدتُ مؤخرًا فيلم ليلة سقوط بغداد الذي أُنتج قبل نحو عقدين من الزمان، بطولة الفنان حسن حسني. رغم أن الفيلم عند صدوره كان يجسد صرخة فزع أطلقها بطل القصة الأستاذ شاكر وهو يرى سقوط أحد العواصم العربية تحت مجنزرات الدبابات الأمريكية، إلا أنني في هذه المرة عند مشاهدة الفيلم فهمتُه بشكل مختلف تمامًا.
تحول في الإدراك: من سقوط العواصم إلى سقوط الأساطير
فالمشهد اليوم، في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية من جهة وإيران من جهة أخرى، والتسلسل الذي يحدث منذ بداية الحرب حتى يومنا هذا، لا يوحي بسقوط عاصمة إقليمية جديدة، بل ينبئ بـ "ليلة سقوط واشنطن" ذاتها. وهنا لا أقصد أن يكون سقوطًا ماديًا للمباني، بل سقوط لأسطورة القدرة الكلية والردع الأمريكي الذي لم يعد قادرًا على صياغة مصائر المنطقة كما كان يصور لنا ذلك في السابق.
إن لب هذه الصحوة عند مشاهدة الفيلم في هذه الأجواء العالمية المشحونة، يكمن في تلك اللحظة التي ندرك فيها أن البعبع الذي زرع فينا الرعب لسنوات ليس قدرًا لا يُرد. فنحن اليوم لا ننظر إلى القوة الأمريكية كقوة أسطورية لا تُقهر، بل نراها قوة بشرية شاخت وتآكلت من داخلها، وأفقدها غرورها بريقها وحلفاءها.
تآكل التحالفات والعجز الأمريكي
بينما كانت واشنطن في الماضي تحشد الجيوش بقرار واحد، نجدها اليوم قد اختزلت السياسة الدولية في لغة الصفقات والتهديدات، مفتقرة إلى الغطاء الإقليمي والمشاركة الفاعلة. لا شك أن كافة الدول الحلفاء لواشنطن وكذا دول الخليج العربي، التي طالما اعتُبرت المظلة الأمنية الأمريكية قدرها المحتوم، بدأت تدرك أن أي حرب تندلع انطلاقًا من أراضيها لن تجلب لها النصر بل ستجعلها الهدف الأول للترسانة الصاروخية الإيرانية.
وهذا ما تعانيه دول الخليج بالفعل في هذه المرحلة. وأعتقد أن هذا الرفض الضمني أو النأي بالنفس الخليجي يمثل السقوط الأول لأهم ركائز القوة الأمريكية المتمثل في شرعية التحالف. فعندما تعجز واشنطن عن إقناع حلفائها بأن حربها هي حربهم، نكون أمام مشهد سقوط حقيقي لهيبة التبعية، حيث باتت عواصم العالم تفضل مسارات الحوار والتهدئة الإقليمية كضمانة حقيقية وحيدة لأمنها المستدام.
دروس التاريخ: من سقوط إسرائيل إلى سقوط أمريكا
وعلى ذكر انكسار الأساطير، لا يمكننا قراءة مشهد العجز الأمريكي الراهن بمعزل عن دروس التاريخ القريبة في منطقتنا. فالعقلية التي تروج اليوم لـ القوة الأمريكية التي لا تُغالب هي ذاتها التي روجت لعقود لمقولة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر وخط بارليف الذي استحال عبوره.
إلا أن الإرادة المصرية في السادس من أكتوبر عام 1973، حطمت تلك الغطرسة في ساعات معدودة، وأثبتت للعالم أن التكنولوجيا العسكرية الفائقة والتحصينات الأسطورية تتهاوى أمام عقيدة المقاتل وصحة التخطيط القومي. لم يكن نصر أكتوبر مجرد استرداد للأرض، بل كان زلزالًا ضرب مفهوم التفوق المطلق للغرب وحليفه المدلل في المنطقة.
واليوم يتكرر المشهد بصورة أوسع؛ فكما سقطت أسطورة إسرائيل التي لا تقهر تحت أقدام الجندي المصري، تسقط اليوم أسطورة الهيمنة الأمريكية المطلقة أمام صخرة الواقع الجيوسياسي الجديد، لتؤكد المنطقة من جديد أن زمن الإملاءات العسكرية والرهان على البعبع الذي لا يهزم قد ولى إلى غير رجعة.
مأزق الجغرافيا والاقتصاد
إن ما يزيد من مأزق واشنطن في أي مواجهة محتملة هو سلاح الجغرافيا المتمثل في مضيق هرمز، ذلك الشريان الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية. ليلة السقوط الاقتصادي للعالم الغربي ستبدأ بمجرد أن تعجز الولايات المتحدة، بكل أساطيلها، عن تأمين حركة الملاحة في المضيق تحت وابل من الصواريخ والزوارق السريعة والألغام الذكية وقوات المارينز.
هنا تكمن المفارقة؛ فبينما تمتلك واشنطن القدرة على قصف أهداف بعيدة، إلا أنها عاجزة عن السيطرة على رد الفعل الإيراني غير التقليدي. وبالتأكيد إن ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات فلكية وشلل سلاسل التوريد سيمثلان ضغطًا داخليًا محطمًا للإدارة الأمريكية، يجعل من استمرار الحرب خيارًا انتحاريًا سياسيًا، ويثبت أن القوة الصلبة الأمريكية باتت مكبلة بقيود الجغرافيا واقتصاد العولمة الذي لا يتحمل الهزات الكبرى.
القواعد العسكرية: حصون أم عبء؟
وبالنظر إلى طبيعة التواجد العسكري الأمريكي، يبرز التساؤل الجوهري حول تلك القواعد المنتشرة في الخليج: هل هي حصون للحماية أم منصات لتحويل المنطقة إلى ساحة حرب؟ الواقع يشير إلى أن هذه القواعد قد تحولت بمرور الوقت إلى عبء أمني؛ فهي تجعل الدول المضيفة أهدافًا مشروعة في أي صراع، وتُستخدم كنقاط انطلاق لتدخلات تزعزع استقرار الجيران.
مما يضع أمن المنطقة في مهب الريح، وبدلًا من أن توفر الأمن المطلق المزعوم، نجدها قد خلقت حالة من الاستقطاب الحاد، حيث تُستخدم الالتزامات الأمنية الأمريكية كأداة ضغط لابتزاز المواقف الوطنية وجر منطقة الخليج نحو صراعات استنزافية تخدم بالدرجة الأولى التوسع الإسرائيلي، بينما تظل شعوب المنطقة هي من تدفع فاتورة عدم الاستقرار من أمنها واقتصادها وسيادتها.
التدخلات الأمريكية: تفكيك المنطقة
وهناك أمثلة كثيرة حول التدخل الأمريكي في المنطقة فوجدنا إن تدمير مؤسسات الدولة في العراق، وتمزيق النسيج السوري والليبي، ليست مجرد أخطاء، بل هي شواهد على أن السلام الأمريكي كان في جوهره مشروعًا لتفكيك المنطقة وإبقائها في حالة احتياج دائم للوصاية الأمريكية ولصالح الكيان الإسرائيلي، مع استنزاف تريليونات الدولارات من الثروات العربية في صفقات سلاح تخدم المجمع الصناعي العسكري الأمريكي وحده.
إفاقة المنطقة وضرورة البديل العربي
إن ليلة سقوط واشنطن التي استشرفتها وأنا أشاهد الفيلم، هي في الحقيقة ليلة إفاقة للمنطقة. فالعجز الأمريكي عن حسم الملفات بـ العصا الغليظة، وتآكل الردع أمام القوى الإقليمية، وبروز أقطاب دولية جديدة كالصين وروسيا تتعامل بمنطق الشراكة لا الوصاية، كلها عوامل تسرع من نهاية حقبة القطب الأوحد.
إلا أنه في حقيقة الأمر نخلص إلى أن هذه الإفاقة التي أتصورها لن تكتمل دون بديل حقيقي، وهو ما يعيدنا بالذاكرة إلى الرؤية الاستراتيجية الثاقبة التي طرحها الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة العربية بشرم الشيخ عام 2015، عندما نادى بضرورة تشكيل قوة عربية مشتركة أو جيش عربي موحد.
لقد كانت تلك الدعوة إدراكًا مبكرًا بأن الأمن المستورد أو الأمن القادم من الخارج هو أمن منقوص، وأن المنطقة لا يمكن أن تظل رهينة لتقلبات المزاج السياسي في واشنطن. وأن بناء قوة عسكرية عربية قادرة على حماية الأمن القومي العربي بقرار سيادي مستقل، هو السلاح السري الحقيقي الذي كان يبحث عنه الأستاذ شاكر، وهو الضمانة الوحيدة لكي لا تتكرر مآسي الماضي.
الخلاصة: نحو سيادة عربية
إن استعادة الشرق الأوسط لقراره السيادي، والعودة إلى منطق الدولة الوطنية القوية المعتمدة على ذاتها، هو الفجر الحقيقي الذي يعقب ليلة سقوط الأوهام الكبرى. في ظل هذه المشاهدة نستنتج أنه إذا كانت واشنطن قد سقطت في فخ انحيازاتها وفشلها في تأمين المنطقة، فإن البديل يجب أن يكون عربيًا خالصًا لملء الفراغ، بدلًا من تركه لقوى إقليمية أخرى (إيران أو تركيا) أو دولية (الصين وروسيا).



